شوارعنا

«أجزاء» شارع فريد

عادة، حين يُستبدل اسم شارع بآخر، يُكتب الاسمان: الجديد بالأعلى، وأسفله الاسم القديم مع كلمة «سابقا»، لا يختلف الحال من حيث المبدأ مع شارع فريد، غير أن تغيرا طفيفا قد صحب كلمة سابقا هنا، لتصبح اللافتة هكذا « شارع محمد بك فريد جزء من شارع عماد الدين سابقا». كأنها معلومة في كتاب وليست لافتة.

ففى تلك الحالة المميزة لشارع فريد، تم تغيير «جزء» من اسم الشارع القديم، ومنحه لفريد وتأكيد ذلك الاقتطاع على اللافتة، بينما بقى الشيخ عماد الدين صاحب الضريح، وشارعه صاحب التاريخ الفني الحافل على اسمه القديم، أما الجديد، أو «الجزء الجديد» الذي سمّى بفريد، فيقتطع شارع عماد الدين عند 26 يولية، ويمتد طويلا إلى سوق الناصرية.
بلى، كون فريد «جزءا» من شارع آخر، لا يعنى أنه ليس أحد أطول شوارع وسط البلد على الإطلاق، بل وهنا الأغرب، يصير أطول من الأصل، من شارع عماد الدين نفسه الذى صار يمتد من شارع رمسيس إلى 26 يولية، أما «جزء» فريد» فيبدأ بعد 26 يولية، ويمتد عبر ميدان مصطفى كامل، ويعبر حتى تخوم عابدين وميدان محمد نجيب وأسوار القصر الجمهورى، ويعبر شارع التحرير متوغلا نحو شارع مجلس الأمة، حيث ينتهى أخيرا عند السوق الشعبى في الناصرية، على حدود السيدة زينب.
وفي هذه المسافة الطويلة، من الطبيعي أن يتغيّر شكل الشارع بين ناصية وأخرى، وبين حيى آخر، فتظهر «الأجزاء» مرة أخرى من فرط اختلاف الشارع بين هنا وهناك، فأين الجزء الفخم المهيب الذى يحاذى شارع شريف، بالمبانى المهيبة الضخمة، لبنك مصر، والبنك المركزى، تواجهها الكنيسة الهائلة لفرنسيسكان الأراضى المقدسة، التي تطل على فريد بمساحتها الكبيرة ولافتة تشير إلى العنوان الرسمي «3 شارع بنك مصر»، وهو الشارع الصغير الفاصل – أو العابر- بين فريد وشريف، أين تلك المساحة الفخمة التى يحدها التمثال الأنيق لمصطفى كامل في ميدانه التوأم لطلعت حرب، من المساحة الشعبية جدا التي تبدو حين يخترق الشارع منطقة عابدين، بمقاهيها الرخيصة وباعة الخبزالبلدى وماسحى الأحذية، وأين عملاء البنوك العربية والأجنبية من محلات التوحيد والنور فى الجزء الشعبى، والتى استعار اسمها فرن المخبوزات المقابل – وأفران المخبوزات إحدى العلامات المميزة لشارع فريد -، ربما أملا فى استعارة بعض نجاحها.
هذا التنوّع فى الشارع، وهذا الاجتزاء الرسمى فى اللافتة والعناوين البريدية، وراء التشوش الذى ستجده إن أردت أن تسأل عن الشارع، فستجد أن البعض يظن أن فريد هو الاسم الجديد لشارع عماد الدين كاملا، وهناك من يعتقد أن فريد هو الجزء الصغير بين تمثالىّ فريد ومصطفى كامل، وهناك من يختصره أكثر فيحصره فى منطقة البنوك فقط.
الأكيد، أن شارع فريد، مظلوم السمعة قياسا إلى حجمه وامتداده الهائل، تماما كما كان صاحبه مظلوم السمعة إلى جوار رفيقه مصطفى كامل، الذي يزهو تمثاله في ميدانه الجميل بشارع فريد، بينما يرتفع تمثال فريد نفسه، فوق ميدان سمّى باسم محمد نجيب!

[us_pricing items=”%5B%7B%22title%22%3A%22%D8%AA%D9%81%D8%A7%D8%B5%D9%8A%D9%84%20%D8%B4%D8%A7%D8%B1%D8%B9%20%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF%20%D9%81%D8%B1%D9%8A%D8%AF%22%2C%22features%22%3A%22%D8%AD%D8%A7%D9%84%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B3%D9%81%D9%84%D8%AA%3A%20%D9%85%D8%AA%D9%88%D8%B3%D8%B7%D8%A9%5Cn————————%5Cn%D9%85%D8%B3%D8%A7%D8%AD%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%B5%D9%8A%D9%81%3A%203%20%D9%85%D8%AA%D8%B1%5Cn————————%5Cn%D8%AD%D8%A7%D9%84%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%B5%D9%8A%D9%81%3A%20%D9%85%D9%86%20%D9%85%D8%AA%D9%88%D8%B3%D8%B7%20%D8%A5%D9%84%D9%89%20%D8%B3%D9%8A%D8%A1.%5Cn————————%5Cn%D8%B9%D8%AF%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D9%84%D8%A7%D9%81%D8%AA%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%89%20%D8%AA%D8%AD%D9%85%D9%84%20%D8%A7%D8%B3%D9%85%D9%87%3A%C2%A04%20%D9%84%D8%A7%D9%81%D8%AA%D8%A7%D8%AA%5Cn————————%5Cn%D8%AD%D8%A7%D9%84%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%83%D9%86%3A%20%20%D8%B5%D9%81%20%D9%88%D8%A7%D8%AD%D8%AF%20%D9%85%D9%88%D8%A7%D8%B2%D9%89%20%D9%84%D9%84%D8%B1%D8%B5%D9%8A%D9%81%5Cn————————%5Cn%D8%A3%D9%87%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85%3A%20%D9%87%D8%A7%D8%A8%D9%89%20%D8%B3%D9%8A%D8%AA%D9%89%D8%8C%20%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%88%D8%AD%D9%8A%D8%AF%20%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%88%D8%B1%D8%8C%20%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%86%D9%83%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B1%D9%83%D8%B2%D9%89%D8%8C%20%D8%A8%D9%86%D9%83%20%D9%85%D8%B5%D8%B1%D8%8C%20%D8%A8%D9%86%D9%83%20%D9%82%D8%B7%D8%B1%D8%8C%20%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%86%D9%83%20%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AC%D8%A7%D8%B1%D9%89%20%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%89%D8%8C%20%D9%83%D9%86%D9%8A%D8%B3%D8%A9%20%D8%B3%D8%A7%D9%86%20%D8%AC%D9%88%D8%B2%D9%8A%D9%81%D8%8C%20%D9%85%D9%83%D8%AA%D8%A8%20%D8%A8%D8%B1%D9%8A%D8%AF%20%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF%20%D9%81%D8%B1%D9%8A%D8%AF%D8%8C%20%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%86%D9%83%20%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%82%D8%A7%D8%B1%D9%89%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B5%D8%B1%D9%89.%5Cn————————%5Cn%D9%85%D8%B7%D8%A7%D8%B9%D9%85%20%D9%88%D9%83%D8%A7%D9%81%D9%8A%D8%AA%D8%B1%D9%8A%D8%A7%D8%AA%3A%20%D9%83%D8%A7%D9%81%D9%8A%D9%87%20%D8%AD%D9%88%D8%B1%D8%B3%D8%8C%20%D9%81%D8%A7%D9%85%D9%8A%D9%84%D9%89%20%D8%AF%D8%B1%D9%8A%D9%86%D9%83%D8%8C%20%D9%85%D8%B7%D8%B9%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%8A%D8%B1%D8%8C%20%D8%AD%D9%84%D9%88%D8%A7%D9%86%D9%89%20%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF%20%D9%81%D8%B1%D9%8A%D8%AF.%5Cn————————%5Cn%D9%85%D9%83%D8%AA%D8%A8%D8%A7%D8%AA%20%D9%88%D9%85%D8%B1%D8%A7%D9%83%D8%B2%20%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D9%8A%D8%A9%3A%20%D9%84%D8%A7%20%D9%8A%D9%88%D8%AC%D8%AF%22%2C%22btn_color%22%3A%22light%22%2C%22btn_style%22%3A%22raised%22%2C%22btn_size%22%3A%2215px%22%2C%22btn_iconpos%22%3A%22left%22%7D%5D”]
[us_separator thick=”3″ text=”غربة فريد” title_tag=”h1″]

من الغريب أن زعامة محمد فريد، نضاله وخطبه ومظاهراته، النقابات التي أسسها والمؤتمرات التى موّلها، كل هذى وغيرها لم تقده إلى سجون الاحتلال، بل قادته إلى السجن مقدمة صغيرة كتبها لديوان شعر هو «وطنيتى» للشيخ الشاعر على الغاياتى، كتب فريد مقدمته بعنوان «أثر الشعر في تربية الأمم» ، وكتب الشيخ عبد العزيز جاويش مقدمة أخرى، ألهبت المقدمتان الحماسيتان –كما الديوان- المشاعر الوطنية واستفزت السلطات، فسُجن الشاعر أولا، ثم ما لبث أن حكم على صاحبى المقدمتين بالسجن 6 أشهر لكل منهما. أنهى محمد بك فريد سجنه وكتب قبل أن يخرج قائلا إنه إذ يخرج من السجن الأصغر يخشى السجن الأكبر «سجن الأمة المصرية، الذي تحده سلطة الفرد.. ويحرسه الاحتلال».
كان فريد صادقا فى اعتباره الاحتلال سجنه الكبير، وإلا فلم قضى عمره – وهو المحامى الناجح الثرى- مناضلا ومجابها الإنجليز، الذين احتلوا مصر حين كان فريد بعد مراهقا صغيرا في الرابعة عشرة (مواليد 1868)، ومن عجب أن رحيله كان في عام الثورة الشعبية العظمى 1919، غير أنه لم يرحل وسط الهتافات الشارع المصري الملتهب، بل توفى بعيدا ، في شتاء برلين البارد في 15 من نوفمبر، بلا أهل وبلا الثروة التى أنفقها على العمل السياسى وتمويل مؤتمرات «المسألة المصرية»، غير أن تاجرا مصريا من الزقازيق، هو خليل عفيفى، غادر إلى ألمانيا بعد أقل من عام وأحضر جثمان فريد من هناك ليدفن فى مقابر السيدة نفيسة، وبعد 33 عاما آخرين، فى 1953، نقل جثمان فريد ليدفن في ضريح صديقه ورفيق كفاحه، وسلفه في تأسيس ورئاسة «الحزب الوطني» القديم، رقد فريد أخيرا واستراح فى جوار الزعيم مصطفى كامل.

[us_single_image image=”8211″ align=”center” animate=”afl” animate_delay=”0.2″]
الوسوم

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق