شوارعنا

التشابهات العجيبة في عبد الخالق ثروت

مثلما كان حال عبد الخالق ثروت نفسه، تكسو الجدية ملامح شارع عبد الخالق ثروت، جدية بالغة تبدو منذ بدايته عند شارع رمسيس، فأول أرقامه محل شهير لبيع الأسلحة وأدوات الصيد، على الرصيف المقابل يبدأ الشارع مع نقابة المحاميين ذات العضوية الهائلة والمؤتمرات الساخنة، تلاصقها نقابة الصحفيين المصريين في مبناها الجديد الذي لم يعد جديدًا تماما، يليها نادي القضاة محل أكبر الأزمات المصرية في بداية العقد الأول من الألفية، تواجهه العيادات الصحية لهيئة النقل العام، سور عال جراج كبير يصعب معه التفرقة بين العيادات وأي جراج آخر تابع للهيئة. غير أن تلك الجدية والأهمية السياسية ليست السمة الوحيدة لشارع عبد الخالق ثروت ولا وجه الشبه الوحيد بين الشارع وصاحبه.
هل تقع مكتبة “الهيئة العامة للكتاب” في شارع عبد الخالق ثروت؟ أم أنها في شارع شريف؟ إن الرقم الرسمي للمكتبة الكبيرة هو 36 شارع شريف، لكن «الفاترينة الهائلة» والمداخل في عبد الخالق ثروت، وتلك ليست الحالة الوحيدة بل هي ملمح من ملامح شارع «ثروت» (الاسم المختصر الذي يربك البعض فيظنون أن شارع ثروت غير شارع عبد الخالق ثروت»، فتلك المعالم التي يحار في نسبتها إلى  عبد الخالق ثروت رغم وجودها فيه، هي سمة متكررة هنا، فهيئة الكتاب في ثروت وشريف معا، وكذلك مكتبة دار المعارف وصيدلية الأنجلو، هل نحتسب نقابة المحامين ضمن ثروت أم شارع رمسيس؟ على أي شارع يمكن أن نعنون أو نصف المحلات التجارية في تفاطع ثروت مع محمد فريد؟ ماذا عن أكشاك الممرات الصغيرة بين ثروت وشارع معروف؟ لماذا تتوسط بوابة نادي القضاة المسافة بين ثروت وشارع شمبليون؟ ماذا عن محل جروبي العملاق؟ هل نهتم بمدخله ومحل الآيس كريم المستقل في ثروت، أو نكتفي بمدخل الحديقة في شارع عدلي؟

تداخلات محيرة صاحبت أيضا شخصية عبد الخالق ثروت نفسه، وتراوحت بين وصفه بصاحب الإنجازات تارة أو صديق الإنجليز تارة أخرى، غير أن ملمحا ثالثا، غير الجدية وغير التداخل، يقرّب بين الشارع وصاحبه: فبين أول الشارع عند التقاطع مع شارع رمسيس، إلى نهايته البعيدة عند ميدان إبراهيم باشا بالعتبة، مسافة طويلة تجعل من شارع ثروت أحد أطول شوارع وسط البلد على الإطلاق، مع ذلك ستلاحظ بغرابة أن البنايات تنتهي قبل الوصول إلى الرقم 60 ، ذلك أن البنايات الضخمة كبناية نقابة الصحفيين أو المحامين أو الكنيسة الكاثوليكية أو جروبي وغيرها، هي السمة الأخيرة المميزة لشارع عبد الخالق ثروت، تمامًا -مرة أخرى- كصاحبه، الذي مات أيضا قبل الوصول لعامه الستين، لكنه تولى مواقع ومناصب كبيرة تماما كالبنايات في شارع ثروت.

[us_pricing items=”%5B%7B%22title%22%3A%22%D8%AA%D9%81%D8%A7%D8%B5%D9%8A%D9%84%20%D8%B4%D8%A7%D8%B1%D8%B9%20%D8%B9%D8%A8%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%A7%D9%84%D9%82%20%D8%AB%D8%B1%D9%88%D8%AA%22%2C%22features%22%3A%22%D8%AD%D8%A7%D9%84%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B3%D9%81%D9%84%D8%AA%3A%20%D9%85%D8%AA%D9%88%D8%B3%D8%B7%D8%A9.%5Cn————————%5Cn%D9%85%D8%B3%D8%A7%D8%AD%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%B5%D9%8A%D9%81%3A%203%20%D9%85%D8%AA%D8%B1%20%5Cn————————%5Cn%D8%B9%D8%AF%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D9%84%D8%A7%D9%81%D8%AA%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%8A%20%D8%AA%D8%AD%D9%85%D9%84%20%D8%A7%D8%B3%D9%85%D9%87%3A%20%D9%A7%20%D9%84%D8%A7%D9%81%D8%AA%D8%A7%D8%AA%5Cn————————%5Cn%D8%AD%D8%A7%D9%84%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%83%D9%86%3A%20%20%D8%B5%D9%81%20%D9%88%D8%A7%D8%AD%D8%AF%20%D9%85%D9%88%D8%A7%D8%B2%20%D9%84%D9%84%D8%B1%D8%B5%D9%8A%D9%81%5Cn————————%5Cn%D8%A3%D9%87%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85%3A%20%D9%86%D9%82%D8%A7%D8%A8%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%B5%D8%AD%D9%81%D9%8A%D9%8A%D9%86%D8%8C%20%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%86%D9%8A%D8%B3%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%8A%D8%B7%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A9%D8%8C%20%D9%86%D8%A7%D8%AF%D9%8A%20%D9%82%D8%B6%D8%A7%D8%A9%20%D9%85%D8%B5%D8%B1%D8%8C%20%D8%B3%D9%81%D8%A7%D8%B1%D8%A9%20%D8%B3%D9%88%D9%8A%D8%B3%D8%B1%D8%A7%D8%8C%20%D9%85%D8%B3%D8%AA%D8%B4%D9%81%D9%89%20%D9%87%D9%8A%D8%A6%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%82%D9%84%20%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%85%D8%8C%20%D8%A8%D9%86%D9%83%20%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%A7%D9%87%D8%B1%D8%A9%D8%8C%20%D8%A8%D9%86%D9%83%20%D8%B9%D9%88%D8%AF%D8%A9%D8%8C%20%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%86%D9%83%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%87%D9%84%D9%89%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B5%D8%B1%D9%89%D8%8C%20%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%86%D9%83%20%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%89%20%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%81%D8%B1%D9%8A%D9%82%D9%89%D8%8C%20%D8%A8%D9%86%D9%83%20%D9%85%D8%B5%D8%B1%D8%8C%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B5%D8%B1%D9%81%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AA%D8%AD%D8%AF%D8%8C%20%D8%B4%D8%B1%D9%83%D8%A9%20%D9%82%D9%87%D8%A7%5Cn————————%5Cn%D9%85%D8%B7%D8%A7%D8%B9%D9%85%20%D9%88%D9%83%D8%A7%D9%81%D9%8A%D8%AA%D8%B1%D9%8A%D8%A7%D8%AA%3A%20%D8%AC%D8%B1%D9%88%D8%A8%D9%89%D8%8C%20%D9%83%D8%A7%D8%A8%20%D8%AF%D9%88%D8%B1%D8%8C%20%D8%AC%D8%A7%D8%AF%D8%8C%20%D8%A2%D8%AE%D8%B1%20%D8%B3%D8%A7%D8%B9%D8%A9%D8%8C%20%D9%83%D9%86%D8%AA%D8%A7%D9%83%D9%89.%5Cn————————%5Cn%D9%85%D9%83%D8%AA%D8%A8%D8%A7%D8%AA%20%D9%88%D9%85%D8%B1%D8%A7%D9%83%D8%B2%20%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D9%8A%D8%A9%3A%20%D9%85%D8%B1%D9%83%D8%B2%20%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%87%D8%B6%D8%A9%20%D9%84%D9%84%D8%AA%D9%86%D9%85%D9%8A%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D9%8A%D8%A9%D8%8C%20%D8%AF%D8%A7%D8%B1%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D8%A7%D8%B1%D9%81%D8%8C%20%D9%85%D9%83%D8%AA%D8%A8%D8%A9%20%D8%AF%D8%A7%D8%B1%20%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%87%D8%B6%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9%D8%8C%20%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%8A%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%86%D9%89%20%D9%84%D9%84%D9%85%D8%B3%D8%B1%D8%AD%D8%8C%20%D9%81%D8%B1%D8%B9%20%D9%87%D9%8A%D8%A6%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8%D8%8C%20%D9%85%D9%83%D8%AA%D8%A8%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%A8%D9%83%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9%20%D9%84%D9%84%D8%A3%D8%A8%D8%AD%D8%A7%D8%AB%20%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B4%D8%B1%D8%8C%20%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%A7%D8%B1%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B5%D8%B1%D9%8A%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9.%22%2C%22btn_color%22%3A%22light%22%2C%22btn_style%22%3A%22raised%22%2C%22btn_size%22%3A%2215px%22%2C%22btn_iconpos%22%3A%22left%22%7D%5D”]
[us_separator thick=”3″ text=”لغز عبد الخالق باشا” title_tag=”h1″]

هل هو الرجل الوطني الذي اختار لجنة دستور 1923 أول دستور في تاريخ مصر؟ أم هو عاشق الأوربيين وربيب الإنجليز؟هل هو ابن العائلة الأناضولية قريب أسرة محمد علي ومالك الأراضي الإقطاعي؟ أم إنه حفيد عبد الخالق أفندي الذي عاش في حي “درب الجماميز” وعشق التراب المصري؟
لم تتكفل الحياة القصيرة نسبيا  لعبد الخالق ثروت (1873-1928) بحسم هذا الصراع حول شخصيته وهويته، رغم – أو ربما بسبب – غناها الحاشد بالأحداث والمناصب والصراعات والإنجازات والألقاب، الأكيد أن «ثروت» – كما يختصر اسمه وكذلك اسم شارعه – كان شخصية محورية في مصر الثلث الأول من القرن العشرين، إلى وفاته المفاجئة في سبتمبر 1928 بعد  شهور قليلة من نهاية رئاسته الثانية للوزراء في مارس من العام نفسه، ولاية قصيرة لم تتخط العام، تماما كرئاسته الأولى للحكومة بين العامين 1921 و1922، والتي كانت أكثر صخبًا إذ كانت تفاعلات ثورة 1919 لم تخمد بعد، وكانت خصومته للوفديين واضحة منذ اللحظات الأولى، ومع ذلك فقد كان مسؤولا رسميا عن أهم انجازات الثورة: وضع الدستور الأول في 1923، واعتراف انجلترا بمصر كدولة مستقلة فيما عرف بتصريح فبراير 1928، إبان رئاسته الأولى للوزراء.
وبسبب اعتبار الوفد بأن ثروت انتزع منه ما حققته ثورته، فقد أطلق سعد زغلول على لجنة دستور ثروت اسم «لجنة الأشقياء»، كما أن «التحفظات الأربعة التي صاحبت تصريح الاستقلال: تأمين مواصلات الإمبراطورية، وتدخل إنجلترا ضد أي اعتداء أجنبي، وبقاء وضع السودان كما هو، وحماية الأقليات الأجنبية».
وأيا كان فإن النقد الذي وجهه الوفد وغيره ضد عبد الخالق ثروت، كان يبدو صراعًا سياسيًا في جانب، وخلاف رؤيتين في جانب آخر، فيبدو أن ثروت كان أقرب إلى الواقعية من الثورية، حريصا على انتزاع المكاسب وإن شابتها انتقاصات، الأكيد مما يعرف عنه أنه كان خطيبا مفوها (كعادة زعماء تلك الحقبة) وصديقا لطه حسين، وشغل – فضلا عن رئاستيه للوزراء – عديدًا من المناصب كان منها الكثير على منصات القضاء، حتى تولى أكثر من مرة «نظارة الحقانية»، التي تعرف في أيامنا هذه بوزارة العدل.

[us_single_image image=”9309″ align=”center” animate=”afl” animate_delay=”0.2″]
الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق