إعلان
التقارير

منطقتي توثق معالم مثلث ماسبيرو قبل أيام من هدم أولى العمارات تمهيدًا لمخطط التطوير

في المثلث الممتد بين شارع الجلاء، وشارع 26 يوليو، وكوبري 15 مايو، وكورنيش النيل، تقع واحدة من أقدم المناطق الشعبية المصرية،عانت منطقة مثلث ماسبيرو على مدار ربع قرن، وبالتحديد عقب زلزال عام 1992، الذي كان سببا في أضرار كبيرة بمباني المنطقة، وما تلاه من منع الحكومة تنكيس البيوت المتهدمة، أو التصريح لأصحابها بترميمها، لتظل على حالها..

يبدو الحزن مخيما على معظم الأهالي الذين اختاروا الرحيل تاركين ورائهم ذكرياتهم وجيرانهم وأحلامهم بالمنطقة التي لطالما تربوا وعاشوا بها، بينما يتنظر أهالي المنطقة بدء تنفيذ مشروع تطوير مثلث ماسبيرو، الذي يهدف إلى تحويل جزء كبير من مساحة المنطقة إلى مشروعات سياحية وترفيهية.

انتقل فريق منطقتي  إلى مثلث ماسبيرو لتوثيق معالم المنطقة الشعبية وليضع سطورا في صفحات تاريخ تلك المنطقة قبل أن تختفي معالمها.

مثلث ماسبيرو منطقة شعبية ذات طبيعة خاصة - تصوير: صديق البخشونجي
مثلث ماسبيرو منطقة شعبية ذات طبيعة خاصة – تصوير: صديق البخشونجي

التقسيم الإداري لمنطقة مثلث ماسبيرو

اصطحب الفريق خلال جولته المحاسب محمد أبو العلا من أبناء المنطقة، يقول محمد: “في البداية فإن مثلث ماسبيرو يتكون من 19 شياخة (والشياخة قديما هي مركز ممارسة شيخ البلد لسلطته)، ومنها (أبوالعلا، الخطيري، الشيخ علي، الشيخ فراج، العدوية، العليمي (الفرنساوي سابقا)، القلاية، حوض الزهور، درب نصر، سنان باشا، شركس).

كل شياخة عبارة عن شوارع ضيقة وحارات كثيرة متشعبة، منها حارة ندى، وحارة الأرمنطي وحارة النصارى، وحارة حسين عبد الشافي، وحارة عفيفي، وحارة الشافعي، وحارة رفاعي، حارة جاد الكريم.. وغيرها الكثير.

صورة من القمر الصناعي لمثلث ماسبيرو (المساحة المظللة باللون الأحمر)
صورة من القمر الصناعي لمثلث ماسبيرو (المساحة المظللة باللون الأحمر)

مدرسة “أبو الفتوح” بناها الإنجليز وهدمها زلزال 92 

من الملاحظ أن أغلب الحارات مسماه بأسماء أشهر الشخصيات فيها وأقدم من سكنوها. اصطحبنا “محمد” في حارة تسمى (حارة الشافعي) تقع بها مدرسة أبو الفتوح للمرحلة الإبتدائية، وحكى لنا أهالي الحارة أن تلك المدرسة بناها الإنجليز ودرس بها معظم أبناء المنطقة ولكنها تهدمت في زلزال عام 1992 ولم يعاد بناؤها مرة أخرى.

مدرسة أبو الفتوح الإبتدائية بمنطقة بولاف
مدرسة أبو الفتوح الإبتدائية بمنطقة بولاق – تصوير: صديق البخشونجي

حارة النصارى.. منازل أثرية تحتفظ بتراثها المعماري

انتقلنا بعد ذلك إلى حارة النصارى، واحدة من أقدم حارات مثلث ماسبيرو، سكنها الأقباط منذ زمن بعيد، وتتميز بوجود بعض المباني الأثرية التي تحتفظ بمعمارها وزخارفها الهائلة، أوضح لنا أهالي الحارة أن تلك المنازل بناها اليونانيون والفرنسيون والإيطاليون والأرمن الذين سكنوا الحارة قديما، وورثها أبنائهم، وهي بحالة جيدة، ومن الواضح أنها لن تدخل حيز التطوير نظرا للقيمة المرتفعة للتعويض عنها.

عمارة فرنسية بحارة النصارى امتداد عمر بن قطبية
عمارة فرنسية بحارة النصارى امتداد عمر بن قطبية – تصوير: صديق البخشونجي

أقدم مطبعة في مثلث ماسبيرو

“بُنيت تلك المطبعة قبل نحو 70 عاما، وكانت ملكا لرجل يوناني يعيش بمنطقة بولاق، ولكنه ترك البلاد، فاشتريتها من أبنائه وأصدرت ترخيصا لها في الخمسينات” يقول صاحبها شكر الله حسين مالك أقدم مطبعة بمثلث ماسبيرو.

يضيف شكرالله: “سأقبل التعويض المادي للخروج من المنطقة، وبالطبع سيتم هدم المطبعة من أجل التطوير، وستختفي ذكرياتي بها وذكريات أهل المنطقة، ولكن لا يوجد حل آخر”.

مطبعة شكر الله حسين أقدم مطبعة في مثلث ماسبيرو
مطبعة شكر الله حسين أقدم مطبعة في مثلث ماسبيرو

مصنع الشمع الوحيد بمثلث ماسبيرو

في الجهة المقابلة للمطبعة هناك مصنع صغير للشمع، حين وصلنا كان مغلقا، فصاحبه ينهي عمله في تمام الثانية ظهرا، قال صلاح محمد صاحب ورشة نجارة مجاورة للمصنع: “تأسس هذا المصنع منذ أكثر من أربعين عاما، وتوفي صاحبه ليدير المصنع من بعده أبنائه، ويعتمد عملهم على تجميع كسر الشمع وتسييحه ثم إعادة تشكيله مرة أخرى، وهم يقومون ببيع الشمع وتوريده إلى الكنائس بكميات كبيرة، وكذا بيعه لاستوديوهات التصوير بمبنى الإذاعة والتليفزيون”.

لا زلنا في حارة النصارى، بصحبة المحاسب محمد أبو العلا، والذي قال أن تلك الحارة  سكن بها العديد من الفنانين أمثال استيفان روستي، صلاح أبو سيف، الفنان زكي محسن الشهير بزكي الحرامي. ومن المعالم الموجودة بها أيضا (مسجد السلام) وتم تجديده مؤخرا.

في نهاية الحارة وصلنا إلى امتداد عمر بن قطبية ويضم هذا الشارع بعض القهاوي القديمة، منها قهوة زكية ضاحي، وقهوة الجِرم، أشهر قهاوي بولاق، إضافة إلى تميزه أيضا بالعمارات التراثية لأصحابها من الفرنسيين واليونان.

حارات مثلث ماسبيرو متشابهة

من تلك المنطقة انتقلنا إلى حارة شركس، الحارة الأشهر التي كان يمتلكها شركس باشا أحد الأعيان الأتراك، والذي كان يمتلك أيضا معظم أراضي مثلث ماسبيرو قبل نحو 100 عام، وخصص جزءا من تلك الأراضي للعاملين لديه، وسميت تلك الحارة باسمه اعترافا بالجميل له.

ومن أشهر الحارات أيضا في مثلث ماسبيرو حارة الشيخ علي وهو أحد أبطال المقاومة الشعبية أيام الحملة الفرنسية. أما عن الحارات الأخرى التي مررنا بها، فكلها تتشابه إلى حد كبير في ضيق المساحة، وانتشار ورش الحدادة والنجارة والخراطة ومحلات البقالة، والمكوجية، ومحلات الخياطة، وورش تصنيع كراسي البامبو.

وسنفرد في حلقة أخرى موضوعا خاصا بتلك المهن التي عاش عليها أهالي مثلث ماسبيرو وكانت مصدر رزقهم. وحال تطورت المنطقة واختفت كل ملامحها القديمة سيظل التاريخ محفورا في الذاكرة شاهدا على وجود مثلث ماسبيرو بطابعه الشعبي الأصيل يوما ما.

احدى حارات مثلث ماسبيرو - تصوير: صديق البخشونجي

الوسوم
إغلاق
إغلاق