إعلان
التقارير

حوار| “زعزع”: الحكومة تسعى لتهجير سكان “ماسبيرو” والبدائل المطروحة لا تناسبهم

مثل الكثير من المناطق الأكثر فقراً في القاهرة، تعد منطقة “مثلث ماسبيرو” مطمعا للمستثمرين، فهي تقع في شمال ميدان التحرير وتطوق بالإعلانات الضخمة من الجنوب وأماكن لبيع الملابس في الشمال، وفي الغرب هناك كورنيش النيل ومبنى الحزب الوطني سابقا، ورغم تلك المميزات التي تتمتع بها تلك المنطقة، إلا أنها ظلت مهملة لسنوات طويلة، إلى أن أصبحت محط اهتمام العديد من خطط إعادة التطوير مؤخرًا، وخصوصا بعد صدور قرار محافظ القاهرة السابق الدكتور جلال مصطفى السعيد باعتبارها منطقة إعادة تخطيط عمراني.

عام 2015 أثناء تولي الدكتورة ليلى إسكندر حقيبة وزارة التطوير الحضري والعشوائيات، بدأ التفكير في إشراك الأهالي في عملية التطوير والتوجه نحو احتياجات المواطنين بدلا عن مصالح القطاع الخاص، حيث قامت الوزارة بالتعاون مع مجموعة “مدّ” التي تضم تجمعًا من المهندسين المعماريين الشباب الذين عملوا بالفعل ضمن مشروع مجتمعي غير رسمي بالمنطقة منذ عام 2013 أيضا، وسعت تلك المجموعة إلى مساعدة الناس على خلق بدائل تتناسب مع ظروفهم الاجتماعية وتسمح ببقائهم في المنطقة بعد التطوير إذا ما أرادوا ذلك. إلا أن تلك البدائل التي تم الاتفاق عليها لم تطبق، خصوصا بعد تحويل وزارة التطوير الحضري والعشوائيات، كجزء من وزارة الإسكان والتي يرأسها حاليا الدكتور مصطفى مدبولي.

“منطقتي” حاورت المهندس أحمد زعزع، باحث ومصمم عمراني وأحد مؤسسي مجموعة “مدّ” للتعرف على البدائل التي توصلت إليها المجموعة، وإلى أي مدى تم الالتزام بما تم الاتفاق عليه؟ وهل تسعى الحكومة إلى تهجير السكان؟

في البداية، حدثنا عن المشروع الذي تقدمت به مجموعة “مدّ”؟

تقدمنا بمشروع لتطوير منطقة مثلث ماسبيرو وتمت الموافقة عليه في بداية عام 2015، في عهد الدكتورة ليلى إسكندر التي كانت تتولى حقيبة وزارة التطوير الحضري والعشوائيات، ولكن حتى الآن نواجه ردود فعل غريبة من الحكومة، فالمخطط الذي تقدمنا به كان يتضمن نفس السيناريوهات التي عرضتها وزارة الإسكان مؤخرًا ولكن بأسعار قليلة تبدأ من 250 جنيها للإيجار، إلا أن الوزارة عرضت أسعارًا خيالية لا تتناسب مع ظروف أهالي المنطقة، وهو ما يعتبر إخلاء قسري واضح للسكان.

وهذا في مشروعكم لتطوير “مثلث ماسبيرو”؟

طرحنا في مشروعنا عدة بدائل تتناسب مع ظروف الأهالي الاجتماعية، حيث كان البديل الأول يشمل بقاء الأهالي في المنطقة إما بتأجير وحدة سكنية بنظام الإيجار العادي بمبلغ 190 جنيه شهريا، أو الإيجار القديم لمدة 60 عامًا، أو بنظام الإيجار التمليكي، حيث يتملكون الوحدة بعد مرور 20 عامًا، وتتراوح قيمة إيجار الوحدة ما بين 250 إلى 800 جنيهًا شهريًا، بنفس المساحات التي تطرحها الحكومة حاليا وهي 65، و75 مترًا.

أما البديل الثاني، فهو خاص بمن يمكنه ترك المنطقة حتى انتهاء فترة التطوير ثم العودة مرة أخرى للمنطقة، فاقترحنا في المشروع أن يتم نقلهم بحد أقصى 7 كيلو متر بعيدًا عن “ماسبيرو”؛ إما في إمبابة أو في منطقة السيدة زينب.

البديل الثالث كان يشمل التعويض النقدي، فحين بدأنا العمل في منطقة مثلث ماسبيرو عام 2013، كانت التعويضات التي وضعناها تتراوح بين 5 آلاف جنيه وحتى 15 ألف جنيه للغرفة الواحدة، ثم أوصلناها إلى 50 ألف جنيه للغرفة، و25 ألف جنيه للغرفة الإضافية.

وماذا عن بدائل الحكومة للسكان؟

أما السيناريوهات التي طرحتها الدولة في آخر مؤتمر فلم تختلف كثيرًا عن تلك البدائل التي وضعناها، ولكننا فوجئنا بتلك المبالغ الضخمة التي وُضعت نظير الإيجار العادي أو التملكي وتبلغ 2500 جنيه، حيث تدعم الحكومة مبلغ 500 جنيه، على أن تودع مبلغ قيمته ألف جنيه للمستأجر في البنك، ويدفع الساكن مبلغ ألف جنيه إيجار، وهو ما يعد تلاعبا بعقول السكان.

أما البديل الثاني فهو التعويض بمبلغ 100 ألف جنيه، ولكن من سيدفع تلك التعويضات هم المستثمرون من الكويت والسعودية، فإذا ما حسبنا أن هؤلاء المستثمرين كانوا سيدفعون مبلغ خمسين ألف جنيه، ألفين دينار كويتي- في عام 2013، فهم سيدفعون أقل من هذا المبلغ الآن دون اعتبار لانخفاض قيمة الجنيه أمام العملات الأخرى، ومن ناحية أخرى إذا ما حصلت أسرة واحدة على مبلغ 100 ألف جنيه تعويض -وهو مبلغ قليل جدا-  فإنهم سينتقلون للبحث عن شقق في مناطق بشتيل أو الكوم الأحمر، ومن ثم فإن الدولة تخلق عشوائيات جديدة في مناطق أخرى بطريقة غير مباشرة.

والبديل الثالث يشمل نقل من يريد الخروج من المنطقة إلى منطقة “الأسمرات”، ولكن كيف ستستوعب الأسمرات كل هؤلاء السكان من جميع المناطق العشوائية التي يتم تطويرها حاليا.

وماذا حدث في المشروع الذي اقترحتموه؟ وهل سيتم تنفيذه فعليا؟

نحن حاليا نعيش حالة إحباط، فمنذ أن عملنا على وضع مخطط التطوير مع الأهالي لمدة عامين كاملين، ومع المستثمرين لمدة ستة أشهر، ومع الدولة أيضا لمدة 6 أشهر، وتم الاتفاق عليه ووقّع عليه الأهالي والمستثمرون ورئيس مجلس الوزراء السابق إبراهيم محلب، وفي حضور ممثلي الأهالي والمستثمرين، ثم قمنا بإجراء المسابقة، حيث عرضت الدكتورة ليلى اسكندر وزيرة التطوير الحضري آنذاك عمل مسابقة للمخطط التفصيلي لتطوير مثلث ماسبيرو، فما كنا عرضناه هو إعادة توزيع الملكيات، ولكن ما كان مطلوب لإجراء مسابقة عليه هو شكل المباني وتفاصيلها، فكان أمامي خياران، إما الدخول في المسابقة كمتسابق عادي أو كتابة كراسة الشروط الخاصة بالمسابقة، فوافقت على كتابة كراسة الشروط لكي أضمن حق الأهالي في الحفاظ على الاشتراطات التي وضعوها، وهو ما حدث، حتى أجريت المسابقة وفازت شركة “فوستر” الأمريكية بمخطط التطوير.

وماذا حدث بعد فوز “فوستر”؟

لا أعلم ماذا يحدث حاليا، وماذا حدث مع شركة فوستر عقب فوزها بالمسابقة، وهل سيتم فعلا تطبيق المخطط الذي فازت به أم ماذا، ولكن إذا استمرت الحكومة فيما تفعله حاليا فإن 98% من السكان سيكونون خارج المنطقة ولا مجال لعودتهم مرة أخرى.

وما هي البدائل المطروحة للمحلات التجارية؟

بالنسبة للمحلات، كنا قد اقترحنا أن تظل المحلات الخدمية كما هي، كما كنا نحارب لبقاء الورش كما هي ولكن الدكتورة ليلى اسكندر لم توافق على هذا الاقتراح باعتبار أن الورش تعد من النشاطات الملوثة للبيئة، إلا أن أصحاب الورش كانوا قد عرضوا الانتقال إلى البواكي الموجودة خلف مبنى الأهرام، لتكون قريبة من المنطقة وفي نفس الوقت لا يفقدون زبائنهم، إلا أن الدكتور جلال السعيد محافظ القاهرة السابق لم يوافق على الاقتراح، وتُرك الملف مفتوحا منذ ذلك الحين.

لماذا تعارض فكرة نقل السكان إلى المدن الجديدة؟

بعد زلزال عام 1992 تم تهجير بعض أهالي مثلث ماسبيرو إلى مساكن “عثمان” على الطريق الصحراوي (القاهرة- الفيوم)، قام بعض أفراد مجموعة “مدّ” بزيارة الأسر في تلك المساكن (حوالي 50 أسرة)، إلا أننا وجدنا صعوبة في المواصلات، إضافة إلى أن الوحدات السكنية صغيرة ولم يتمكن معظم الأهالي من إدخال الأثاث إلى داخل الشقة، إضافة إلى أن نسبة 100% من السكان لم يكملوا تعليم أولادهم في المدارس، وغير ذلك، كنا قد حسبنا متوسط دخل الأسر في منطقة مثلث ماسبيرو عام 2014، فدخل الأسرة مكونة من 5 أفراد حوالي 70 ألف جنيه سنويا، بعد انتقالهم إلى مساكن “عثمان” أصبح الدخل 32% سنويا، كما زاد الإنفاق كثيرا في ظل عدم وجود خدمات، وهو ما يحدث في أي مدينة من المدن الجديدة.

خلال فترة الـ3 سنوات الخاصة بتطوير مثلث ماسبيرو، أين سيذهب السكان؟

في المشروع الذي اقترحناه، قمنا بعمل ما يسمى “إعادة التسكين داخل المشروع” حيث طالبنا ببناء مساكن للأهالي داخل قطعة أرض فارغة تقع بمثلث ماسبيرو خلف وزارة الخارجية، تملكها هيئة النقل العام، تضع بها الهيئة الأتوبيسات المتكهنة، وكانت الخطة هي بناء 4 عمارات في البداية بأربعة طوابق، والطابق يضم 4 شقق سكنية، ثم البدء في نقل السكان بمعدل 20 أسرة في العمارة الواحدة، ومن ثم البدء في مشروع التطوير بطريقة مرحلية.

ما هي آلية تواصل “مدّ” حاليا مع المسؤولين؟

بعد إغلاق وزارة التطوير الحضري والعشوائيات لا يوجد وسيلة تواصل مع المسؤولين نهائيا، إلا أن الحكومة تتواصل مع ممثلي الأهالي من خلال المؤتمرات الجماهيرية.

في رأيك، هل سيبدأ المشروع فعليا بعد ثلاثة شهور من الآن كما هو معلن؟

أشك في هذا الأمر، فكمية التعقيد لفك ملكيات الأراضي لن تأخذ أقل من ثلاث أو أربع سنوات، لذا من الصعب البدء في تطوير ماسبيرو في الفترة الحالية.

ما هي علاقة المستثمرين العرب بمنطقة مثلث ماسبيرو؟

كانت أرض مثلث ماسبيرو وقفا لـ”شركس باشا” عام 1890، أيام الخديو إسماعيل، وكانت عبارة عن عدة “جناين”، وهبها “شركس” للخدم الخاص به لبناء مساكن لهم، وفي الأربعينات سافر شركس خارج مصر، وحول الأراضي لوقف للأهالي مدته عشرين عاما، إلا أنه لم يعد إلى مصر مرة أخرى، وبعد عشرين عاما أي في عام 1968 كانت قد تأسست وزارة الأوقاف، فقامت بدور السمسار وسافر المسؤولون بالوزارة إلى تركيا بحثا عن ورثة شركس، من أجل الاتفاق على بيع أرض “شركس” إلى عدد من المستثمرين من الكويت والسعودية، وبيعت الأرض فعليا لهم.

هل هناك تعمد من حي بولاق بهدم منازل داخل المنطقة؟ ولماذا؟

بعد صدور قرار من رئاسة الوزراء باعتبار “مثلث ماسبيرو” منطقة إعادة تخطيط عمراني وممنوع تنكيس أو هدم المباني الموجودة بها، فوجئنا بقرار من الحي بهدم 6 منازل لوجود خطر على سكانها، وهو ما اعترضنا عليه بشدة وتواصلنا مع الدكتورة ليلى إسكندر، فطلبت التواصل مع المهندس أسعد سلامة الذي يعمل في اليابان في مجال تقييم المنازل وقياس مدى تحملها للزلازل، والذي بدوره كتب تقريرًا يفيد بأن تلك المنازل الستة آمنة تماما ضد الزلازل أو السقوط، ولكن المنزل الواحد إذا ما تم هدمه فسيتبع سقوطه انهيار خمسة منازل أخرى ملاصقة له، وحينما علمت الدكتورة ليلى اسكندر بنتيجة التقرير أصدرت قرارا فوريًا بوقف هدم تلك المنازل.

الوسوم
إغلاق
إغلاق