التقاريرڤيديو

منطقتي داخل الورش اليدوية لتصنيع النظارات في عابدين..

تعمل بماكينات اليهود الذين رحلوا عن مصر.. والعمالة في تناقص

باتت صناعة النظارات يدويًا في منطقة وسط البلد من الصناعات النادرة، فالماكينات صنعها اليهود وتركوها قبل رحيلهم عن مصر، لتقوم هذه الورش على تلك الماكينات فقط، وتظل تتنقل من ورشة لأخرى لعدم وجود ماكينات جديدة، ولأن المهنة نفسها أصبحت عريقة، لا يقوم عليها إلا عدد قليل من الصنايعية..

داخل حارات منطقة عابدين تجول فريق “منطقتي” لرصد حال أصحاب تلك الورش اليدوية، وكيف تعمل تلك الورش ومراحل تصنيع العدسات، واستعراض الماكينات اليدوية.

في حارة الشيخ عبد الله إحدى الحارات الشهيرة بالمنطقة وجدنا عددًا من تلك الورش لا يكاد يتعدى العشرة ورش، واحدة منها تبدو قديمة للغاية، وتمتد على مساحة صغيرة في طابق أرضي، وتضم نحو ما يقارب السبعة ماكينات، كلها ماكينات قديمة.

بعد أن نزلنا الدرج وصلنا إلى باب الورشة الحديدي الذي يفتح على كنز صغير من الماكينات العريقة التي صنعها اليهود قبل أن يرحلوا عن مصر عقب ثورة يوليو من العام 1952، بداخل الورشة قابلنا مالكها الأسطى “تامر حسني” الذي تشرب الصنعة منذ صغره وأتقنها، ليتحدث معنا عن مراحل تصنيع النظارات وحال المهنة.

البداية

“بعد أن توفي والدي، عام 1990 كنت أدرس حينها في السنة الأخيرة بالمرحلة الإعدادية، وجدت أمامي مسئولية كبيرة فكان على البحث عن عمل لأتدبر مصاريف المنزل، فعملت في ورشة الأسطى جلال، وهي ورشة تعمل في مجال تصنيع النظارات في منطقة دار السلام، وفي اليوم الأول ذهبت إلى المنزل سعيدًا وأخبرت أمي بأني عملت في مهنة صناعة النظارات، ففرحت وقالت: “كويس يا ابني دي شغلانة كويسة ونضيفة”، لكنها لم تكن تعرف أنها مهنة مرهقة للغاية”.

يتابع حسني: “مرت أيام على عملي في الورشة، تشربت المهنة من الأسطى جلال واكتسبت خبرات كثيرة منه”.

” كنت لسه صغير واتعلمت كل حاجة، بدأت أشوف العدسة إزاي بتتعمل وتتقص وكنت بسأل في كل حاجة عشان أتعلم، وحبيت المهنة، فكان الأسطى بيعتمد عليا في حاجات كتير، بس في يوم من الأيام مرِض الأسطى جلال، وتم حجزه في المستشفى”.

يتابع: “من ساعتها مقفلتش الورشة، جبت أخويا الله يرحمه يساعدني، بقى الأسطى في المستشفى وإحنا اللي بندير الشغل كله، مع إننا كنا عيال صغيرة”.

اقتحام المنتجات الصينية المنافسة للسوق

“بعد كام سنة قررت أشتغل في حاجة تانية، جمعت قرشين وفتحت معرض بس خسرت فيه وبعدين روحت لواحد صاحبي شغلني في ورشة ألوميتال بس منجحتش فيها، زي ما بيقولوا كده “من خرج من داره اتقّل مقداره”، فرجعت تاني لتصنيع النظارات بس المرة دي قررت أعمل حاجة لنفسي، ففتحت ورشة في حارة سليم بمنطقة عابدين، واتجوزت كمان من نفس الحارة، جه وقت نزل شغل من الصين برخص التراب وغرَّق السوق، كنا بنلاقي العدسات الجاهزة أرخص من الخامة نفسها، فبدأت الورش تقع والشغل يقل فيها، لأن الزباين راحت للشغل الرخيص، لغاية ما الشغل الصيني ده وقع ورجعت مهنتنا لطبيعتها”.

ويستكمل: “من حوالي عشرين سنة أجَّرت الورشة الحالية واشتريت المكن من ورشة تانية، المكن ده قديم أوي من أيام ما كان الإنجليز موجودين في مصر، بس اللي اخترعها اليهود اللي كانوا عايشين هنا زمان وهما أساس المهنة دي”.

“أنا بفتح الورشة الساعة 11، لو عندي شغل كتير بفتح بدري شوية، وبقفل الساعة 9 عشان أنا دلوقتي لوحدي، كان معايا الأسطى عصام راجل كبير بيساعدني، بس بعد العيد حصلتله حادثة فقعد في البيت”.

ورشة صناعات عدسات النظارات يدويًا في عابدين- تصوير - أحمد جمال
ورشة صناعات عدسات النظارات يدويًا في عابدين- تصوير – أحمد جمال

مراحل صناعة عدسات النظارات يدويـًا

صناعة العدسات تمر بعدة مراحل كما يحكيها الأسطى تامر: “في البداية بكتب نمرة العدسة المطلوبة، مثلا 10 مع 3 أو 10 مع 2، حسب ما يطلبها الزبون، أقوم على أساس الرقم بتحديد الخامة بالمللِ المطلوب، وبشتري الخامة (العدسة)، من شارع عبد الدايم في عابدين، بعدها أكتب النمرة عليها، ثم أضع لاصق عليها من مادة “المَنَس” ثم أضعها على الفورمة، بعد ذلك توضع في مكنة خاصة بضبط “السلندر”، يتم قلب العدسة بعد ذلك لتصميم المقاسات المطلوبة على الوجه الثاني بنفس الخطوات السابقة، بعدها توضع العدسة في بودرة اسمها “مونة إنجليزي” لتنظيف العدسة ثم صنفرتها وتنعيمها وتلميعها”.

“الوقت اللي يستغرقه ضبط مقاس العدسة يصل إلى ساعة، وفي بعض الأحيان بيزيد شوية، ولا أقوم بتصنيع عدسات لزبون واحد، وإنما بجمع الطلبات وأقوم بتصنيع أكثر من طاقم عدسات يوميًا”.

ويتابع: “ورش تصنيع النظارات يدويًا ليس لها مثيل في العالم، فمع الاتجاه لاستيراد العدسات من الصين وأمريكا واليابان، إلا إن هناك مقاسات لا يمكن تصنيعها إلا يدويا، حيث تحتاج لضبط دقيق، مثل مقاسات أقل من 20، أو أقل من 25، فلابد من شراء الخامة وتصنيعها بحيث يتم ضبطها وتنحيفها لتكون مناسبة للتركيب في الشنابر”.

بعد تصنيع العدسة تذهب إلى ورش قص وتركيب خاصة، وهي كثيرة ومتواجدة في عابدين أيضًا، وقديمًا كانت تلك الورش تعتمد على وضع العدسة في جهاز يسمى “فوكو ميتر” وهو جهاز يشبه الميكروسكوب، بعد أن يتم غسل العدسة توضع داخل الجهاز، لينظر صاحب النظارة ويتأكد من أن المقاس مظبوطًا. أما الآن وقد اختفى هذا الجهاز وحلت محله الأجهزة الديجيتال، التي توضع فيها العدسة لتقرأ المقاسات فيظهر مقاس العدسة على الشاشة ومن ثم يتم تحديد مكان تركيب الشنبر، بعدها يتم قص العدسة بواسطة مقص خاص”.

أما عن حال المهنة حاليًا يقول الأسطى تامر: “الأسعار الغالية دمرتنا، جوز العدسات كنا نشتريه بحوالي 15 جنيه، دلوقتي وصل سعره  لحوالي 40 جنيه، وأبيعه لمحل النظارات بحوالي 60 جنيه، المكسب يصل إلى عشرين جنيه، بس ميعملوش حاجة، ودلوقتي الأمر زاد سوء فالخامة نفسها مبقتش موجودة زي الأول، واللي بيبيعها بيبيعها بالمبلغ اللي عاوزه، وكمان مبقاش فيه صنايعية والمهنة مبقتش تكسِّب زي الأول.. قربنا نيأس”.

الوسوم
إغلاق
إغلاق