التقارير

توصية “رئاسية” بنقل الحكومة خارج وسط البلد.. البداية بمن؟

على مدار ما يقرب من عقدين، صدرت توصيات عدة، ووضعت مشروعات مختلفة لنقل المؤسسات الحكومية خارج وسط البلد، إلا أن خطوة واحدة لم تتخذ في هذا الصدد..

الهدف هو تخفيف الضغط عن وسط العاصمة، الهدف المعلن على الأقل، وحماية المباني الأثرية والتراثية التي تحتل المؤسسات الحكومية أكثرها، وأغلبها كانت قصور لأبناء وبنات الأسرة العلوية، أممتها ثورة يوليو 1952، والبعض الآخر لباشوات وأثرياء وأجانب من ذلك الزمان.

أسباب عدم نقل هذه المؤسسات خارج وسط المدينة، تراوحت بين عدم توفر بدائل في أماكن أخرى خارج وسط البلد، والترهل البيروقراطي بالطبع، إضافة إلى التكلفة السياسية للقرار، فوسط البلد، وهي الملتقى المروري الأهم في قلب العاصمة يسهل على المواطنين قضاء حوائجهم الرسمية، بعيدا عن صعوبة المواصلات إلى أماكن أخرى في الضواحي.. ومع كل مشروع جديد خارج وسط المدينة، مثل القرية الذكية في السادس من أكتوبر على سبيل المثال، تتجدد التوصيات بالنقل، ثم لا تنتقل سوى مؤسسة أو اثنتين، ويبقى الوضع على ما هو عليه!

وزارة التربية والتعليم - قصر الأميرة فائقة هانم ابنة الخديو إسماعيل سابقًأ
وزارة التربية والتعليم – قصر الأميرة فائقة هانم ابنة الخديو إسماعيل سابقًأ

ومع بدء خطوات إنشاء العاصمة الإدارية الجديدة، باتت التوصيات بنقل المؤسسات الحكومية خارج القاهرة الخديوية أكثر جدية، وخلال اجتماعها الأخير مطلع الشهر الجاري، أصدرت اللجنة القومية لتطوير وحماية القاهرة التراثية برئاسة المهندس شريف إسماعيل مساعد رئيس الجمهورية للمشروعات القومية والإستراتيجية، توصية بنقل الوزارات والمكاتب الحكومية المتواجدة بوسط البلد إلى العاصمة الإدارية الجديدة، مع إخلاء جميع الشقق المشغولة بالمكاتب الحكومية ونقلها خارج المناطق التراثية بوسط المدينة.

وتأسست لجنة حماية القاهرة التراثية في أواخر عام 2016، بقرار من رئيس الجمهورية، ويرأسها المهندس شريف إسماعيل مساعد رئيس الجمهورية للمشروعات القومية والإستراتيجية، والذي تولى رئاسة اللجنة خلفًا للمهندس إبراهيم محلب رئيس الوزراء السابق، وتضم اللجنة في عضويتها كلًّا من محافظ القاهرة، ومستشار الرئيس للتخطيط العمراني، ورئيس الجهاز القومي للتنسيق الحضاري، ورئيس مجلس إدارة العاصمة الإدارية الجديدة، ورئيس الهيئة العامة للتخطيط العمراني، وخبير في إعادة هيكلة وإدارة الأصول، ورئيس اتحاد البنوك.

ولا يوجد حصر رسمي معلن من جانب الحكومة بعدد المباني التي تشغلها الهيئات والمؤسسات الحكومية في منطقة القاهرة الخديوية، خصوصا أن موزعة بين مباني كاملة مثل التي تشغلها الوزارات، أو مساحات كبيرة في بعض العقارات على طابق أو اثنين، وصولا لشقق موزعة في عدة عمارات. غير أن هناك تقديرات بأن عدد المباني التي تشغلها هيئات حكومية بالكامل تصل إلى ما يقرب من 80 مبنى في محيط القاهرة الخديوية، من بينها 11 مبنى تتبع وزارة الآثار، و27 مبنى تراثي خاضعة لقانون التنسيق الحضاري، بخلاف المساحات الأخرى التي تشغلها هيئات حكومية مختلفة داخل عقارات متنوعة.

أما أغلب مقرات الإدارات الحكومية فموجودة داخل مبنى مجمع التحرير، ذلك المبنى التاريخي، الذي يضم نحو 1309 حجرات ومكاتب تشغلها إدارات تابعة لـ28 هيئة حكومية و13 وزارة. وتم إنشاء المجمع في عهد المالك فاروق تحت اسم “مجمع الحكومة” بهدف تجميع كل الجهات الحكومية والخدمية في مكان واحد للتسهيل على المواطنين، ثم تغير اسمه إلى مجمع التحرير بعد قيام ثورة يوليو.

وكانت محافظة القاهرة قد أعلنت في 4 يوليو من العام 2016 عن خطة لإخلاء المجمع وتفريغه من المكاتب والإدارات الحكومية، بهدف حل أزمة المرور بمنطقة وسط البلد، وتم وضع خطة زمنية بالتنسيق مع المؤسسات والجهات التي لها إدارات وغُرف داخله، على أن يتم إخلاؤها بالكامل في 30 يونيو 2017.

وزارة التموين والتجارة الداخلية - تصوير: ميشيل حنا
وزارة التموين والتجارة الداخلية – تصوير: ميشيل حنا

ووفقًا لتصريحات سابقة للواء محمد أيمن نائب محافظ القاهرة والمشرف العام على المجمع لـ”منطقتي”، فإنه كان مقررًا البدء في نقل المكاتب الخاصة بإدارة الجوازات ومباحث الأموال العامة، على أن يتم تدبير مقار أخرى لها في مصلحة الأحوال المدنية بالعباسية.

وكان من المقرر أيضًا نقل المكاتب التابعة لمحافظة القاهرة، بالإضافة إلى مكاتب مديرية الطرق والكباري، والمكاتب التابعة لمديريات القوى العاملة والشباب والرياضة ومقر المنطقة الغربية بالقاهرة، وإدارات عابدين وغرب القاهرة التعليمية، من مبنى مجمع التحرير إلى مبان أخرى يجري إنشاؤها في كل من حي الوايلي على مساحة 740 مترًا، ومبنى آخر بمدينة نصر على مساحة 680 مترًا، بالإضافة إلى مبنى بالنزهة بمساحة 620 متر. إلا أن أعمال البناء لم تكتمل حتى الآن، بحسب ما أعلنه نائب المحافظ في منتصف يونيو من العام الماضي.

وفي أغسطس من العام نفسه وفي الوقت الذي أعلنت فيه وزارة التضامن الاجتماعي نقل جميع موظفي الديوان العام للوزارة البالغ عددهم 774 موظفًا إلى مبنى آخر ملحق بالوزارة، أعلن نائب المحافظ عن صعوبة نقل المكاتب الحكومية الأخرى من المجمع قائلا: “هناك بعض الجهات نقلت موظفيها خارج مجمع التحرير مثل وزارة التضامن الاجتماعي، إلا أن هناك عثرات واجهت المحافظة في الإخلاء الكلي للمجمع، تتمثل في فشل الوزارات والمؤسسات في إيجاد أماكن بديلة خارج المجمع، وهناك جهات أخرى مازالت تُعِد أماكن للنقل ولكن لم تنتهي بعد”.

وزارة الخارجية ومبنى ماسبيرو
وزارة الخارجية ومبنى ماسبيرو

ومع إصدار رئيس الجمهورية القانون الخاص بإنشاء صندوق سيادي لإدارة أصول الدولة، منتصف الأسبوع الماضي، كلّف الدكتور مصطفى مدبولي رئيس الوزراء عدداً من وزرائه ومستشاريه بإعداد مقترح بتشكيل لجنة تحت اسم “لجنة الانتقال إلى العاصمة الإدارية الجديدة”، ستكون مهمة تلك اللجنة تحديد أولويات إخلاء الأراضي والعقارات المشغولة حالياً بدواوين الوزارات في وسط القاهرة، ودراسة بدائل استغلالها والتصرف فيها.

وكانت اللجنة القومية لتطوير وحماية القاهرة التراثية قد ناقشت في اجتماعها في مايو الماضي الذي ناقش خطة تطوير القاهرة التراثية من أجل التنسيق مع مبادرة الدولة في تأسيس الصندوق السيادي، ناقشت تأسيس كيان معني بتملك أصول القاهرة التراثية، خاصة في منطقتي القاهرة التاريخية القديمة والقاهرة الخديوية، والتنسيق مع كافة الجهات المعنية لتملك المباني التاريخية، تحديدًا المشغولة حاليًا بوزارات ومصالح حكومية، والتي سيتم نقلها إلى العاصمة الإدارية الجديدة، فضلًا عن التنسيق مع الشركات المالكة لعدد كبير من العقارات التراثية بالقاهرة، وهي شركات الإسماعيلية للاستثمار العقاري، وشركة مصر لإدارة الأصول العقارية، والشركات التابعة للشركة القابضة للسياحة، ووضع المخطط الذي يحقق للقاهرة الوصول إلى المكانة المطلوبة التي تليق بها، ووضع الخريطة الزمنية لهذا المخطط بمحطات متناسبة مع خطة الدولة الإستراتيجية لـ 2030، ومحطات تنفيذية مخططة طبقًا للمسار التنفيذي الذي يتم تحديده بناء على الخطة والأهداف.

فبمن تبدأ خطط إخلاء وسط البلد من الحكومة، وهل ستنفذ هذه المرة؟

الوسوم
إغلاق
إغلاق