إعلان
التقارير

وسط البلد.. متاحف صغيرة في متحف كبير!

في الحديث عن تطوير القاهرة الخديوية والاستفادة من قيمتها التاريخية وإمكانياتها المعمارية ومكانها شديد التميز، لا يجب أن تصبح وسط البلد “متحفًا مفتوحًا” بل يجب أن تكون “منطقة للمتاحف المفتوحة” وهناك فارق كبير بين الرؤيتين! ذلك أن تحول حي ما إلى متحف مفتوح، قد يعني إخلاؤه من السكان والأنشطة غير المرغوب فيها، وتجميله بحيث يصبح مكانًا لـ”الفرجة” أما الرؤية الثانية فهي على العكس من ذلك، لا تفرغ المنطقة وإنما تملؤها بالأنشطة التجارية والإنسانية والمتاحف الصغيرة، فتصبح الجولات فيها أكثر قيمة وحيوية، كما هو حادث بالفعل في العديد من العواصم العالمية والمدن الكبرى التي لا تقل القاهرة الخديوية أهمية تاريخية عنها، بل ربما تتخطى بعضها، فلندن مثلا تضم في قلبها 70 متحفًا صغيرًا، بينما يصل العدد في مكسيكو سيتي إلى قرابة 150 متحفا، وحوالي 50 متحفا في باريس، ونحو 20 في فيينا، بينما لا يصل عدد المتاحف الصغيرة في وسط البلد وما حولها عن 10 متاحف أحدها (متحف المركبات الملكية) مغلق منذ 15عاما للترميم!
تحتاج وسط البلد إلى مزيد من المتاحف الصغيرة.. يمكن إنشاء متاحف للعمارة الحديثة والقديمة، وأخرى لمؤسسات المال والأعمال التاريخية، وكذلك متاحف للتصوير الفوتوغرافي تعرض أعمال كبار المصورين الأجانب والمصريين الذين كانوا يعيشون ويعملون في المنطقة ومازال ورثتهم يحتفظون بالمقتنيات ويبحثون عن مكان وطريقة لعرضها، فضلا عن متاحف الشخصيات الفنية والأدبية، والمتاحف التي تعرض تاريخ الجاليات الأجنبية مثل اليونانيين والأرمن والإيطاليين والفرنسيين واليهود.
لكن، لا يمكن تنفيذ هذا التوجه دون مشاركة حقيقية بين العديد من الجهات مع الحكومة، في مقدمتها القطاع الخاص والمجتمع المدني والسكان بالطبع، فقد يحتاج الأمر إلى خطوة بداية. فقط بداية وستتغير الكثير من الأوضاع في وسط البلد.

“المركبات الملكية” ترميم متعثر لـ15 عاما!

بجوار مسجد السلطان أبو العلا، يقع متحف المركبات الملكية، ويعد هذا المتحف من أندر المتاحف في العالم، وكما تقول السيدة منى صلاح مديرة المتحف، فإن تاريخه يعود إلى الخديوى إسماعيل الذى حكم مصر من العام 1863 حتى 1879، فهو أول من فكر في بناء مبنى خاص بالمركبات الخديوية للحفاظ على تاريخ الأسرة العلوية، سماه وقتها باسم “مصلحة الركائب الخديوية” استمر هذا الاسم مستخدمًا حتى عام 1922 عندما حصل الملك فؤاد على لقب ملك، فتغير الاسم إلى “إدارة الإسطبلات الملكية” أو “العربة خانة” وهي كلمة تركية تعني بيت العربات.
في عام 1928 قام الملك فؤاد الأول ببناء مبنى آخر ضمه إلى إدارة الإسطبلات، وهو الجزء الذي تحول فيما بعد ثورة يوليو 1952 إلى مبنى تاريخي وتم ضمه إلى المتاحف الملكية لهيئة الآثار المصرية وأطلق عليه اسم “متحف المركبات الملكية”.
كان المتحف في بدايته يقع على مساحة نحو 4850 متراً ولكن في العام 1922، اقتطعت مساحة من المتحف تزيد على 1300 متر لتدخل ضمن أراضي مبنى وزارة الخارجية.
ووفقاً لرواية السيدة مارتينا وجيه أمينة المتحف، فقد شملت المعروضات بالمتحف المغلق بعض مركبات الخيول التي استخدمها كل حكام أسرة محمد علي، وأهمها عربة “الآلاى” الكبرى التي أهداها نابليون الثالث للخديو إسماعيل عند افتتاحه لقناة السويس عام 1869، ومن بين أقدم المقتنيات وثائق تعود للعام 1915 تتنوع بين خطابات بين إدارة الركائب الخديوية وقصر التين، إضافة إلى ركائب “المحمل” الذي كان ينقل كسوة الكعبة من مصر.
في العام 2001 قررت هيئة الآثار المصرية تطوير المتحف وترميم مقتنياته، ولا يزال في طور الترميم حتى الآن.

“البريد”.. هنا مركز المدينة

“كان الخديو إسماعيل مولعًا بالطوابع البريدية، وأراد إنشاء شركة مصرية لإصدار الطوابع، لذا اشترى شركة أجنبية كانت تصدر الطوابع البريدية بمقرها بالإسكندرية، وحول مقرها إلى القاهرة” قالت ندى فؤاد مديرة متحف البريد الذي يقع بمبنى الإدارة العامة للهيئة القومية للبريد، وأضافت “بعد تولي الملك فؤاد الحكم كان مهتماً أيضاً بالطوابع فأنشأ متحف البريد، في فبراير 1934 بالتزامن مع عقد المؤتمر العاشر لاتحاد البريد العالمي بالقاهرة، وافتتح المتحف رسمياً للجمهور في أوائل يناير 1940 بعد استكمال معروضاته”.
يضم المتحف تمثالًا نصفيًا للخديو إسماعيل، تحته نقطة تمثل مركز القاهرة الرسمي، منها وإليها تُحسب المسافات الرسمية بين القاهرة والمدن والعلامات على الطرق الزراعية والصحراوية.

هنا النقطة المركزية لمدينة القاهرة
يستقبل المتحف زواره يوميَا من الثامنة صباحاً حتى الثانية ظهراً عدا أيام الجمعة والعطلات الرسمية، يضم المتحف مقتنيات نادرة منها وثائق هامة تتصل بتاريخ البريد، وملابس “سعاة البريد” والأختام القديمة والحديثة والصناديق الخاصة بنقل الطرود وصناديق للخطابات يعود تاريخها إلى العام 1866، إضافة إلى مئات الطوابع النادرة من بينها طوابع موقعة من الملك فؤاد شخصياً، وطوابع التجارب التي تعد أغلى طوابع في العالم.

البورصة المصرية.. تاريخ أكثر من 130 عامًا

كان إنشاء متحف لسوق المال المصرية في مبنى البورصة التاريخي بشارع الشريفين، حلما يراود الدكتور محمد عمران منذ توليه رئاسة البورصة، حلم أصرّ على تنفيذه ومتابعة العمل به حتى تم افتتاح الجزء الأول منه للجمهور خلال مايو 2016.
ويحكي المتحف تاريخ تطور سوق المال في مصر على مدار أكثر من 130 عامًا، ويضم وثائق نادرة عبارة عن نماذج لأسهم أقدم الشركات المتداولة في البورصة، بالإضافة إلى محاكاة كاملة لقاعة التداول التي كانت موجودة بالمبنى التاريخي بعد الانتقال إليه عام 1928.
فريق “منطقتي” التقى الدكتور محمد عمران داخل المتحف وشرح لنا رؤيته لتدشين الجزء الثاني داخل قاعة “الكوربيه” لتتحول بنهاية العام إلى بانوراما كاملة تجسد المراحل التاريخية لعمليات التداول في البورصة، وذلك بإعادة بناء المقصورة الدائرية بالحجم الطبيعي في منتصف “الكوربيه”، وبناء اللوحات التي كانت تستخدم الطباشير لتسجيل بيانات التداول عليها عن طريق شخص يصعد إليها على سلم خشبي، وصولا إلى طرق التداول الحديثة نسبيا فى السبعينيات والثمانينيات والأجهزة التي كانت تستخدم آنذاك، ثم مرحلة التسعينيات وحتى الآن.
وقال عمران إن البورصة المصرية من أقدم البورصات في العالم، ومتحفها يحكي تاريخًا موازيًا لمصر من زاوية سوق المال إحدى أهم ركائز الاقتصاد الوطني منذ عام 1883 حينما تأسست بورصة الإسكندرية، وتلتها بورصة القاهرة عام 1903، وكان مقرها آنذاك بالمبنى القديم للبنك العثماني بشارع المغربي، قبل أن تنتقل عام 1928 إلى المبنى الذي نقف فيه الآن بشارع الشريفين والذى شيده المعمارى الفرنسي جورج بارك على الطراز الإغريقى ، وهو مبنى تراثي مسجل كأثر معماري يحظر هدمه أو التغيير فيه.
بالإضافة إلى مقتنيات متحف البورصة النادرة، يمكن للزائر كذلك الحصول على نسخة تذكارية من كتاب “بورصات الأوراق المالية بالقطر المصرى” الذي أصدره إميل ليفى رئيس لجنة سوق الأوراق المالية عام 1953 احتفالا بمرور خمسين عامًا على تدشين بورصة القاهرة، ويضم الكتاب صورًا نادرة وشرحًا وافيًا لطرق عمل البورصة آنذاك.

السكة الحديد.. ثاني متحف في العالم

كونها ثاني سكك حديدية تتأسس في العالم بعد سكك حديد إنجلترا، والأولى في الوطن العربي، فإنه من المنطقي أن يأتي متحف السكة الحديد برمسيس الأول من نوعه في الوطن العربي والثاني عالميا بعد المتحف البريطانى. حيث تقول ناهد الخطيب مديرة المتحف “بدأت فكرة إنشاء متحف للسكك الحديدية بطلب من الملك فاروق، ليتم افتتاحه بمناسبة انعقاد المؤتمر الدولي للسكك الحديدية في دورته الثامنة في يناير 1933، وقبل انعقاد المؤتمر أمر الملك فؤاد الأول بعض المهندسين بجمع المقتنيات وإعدادها للعرض، وتم تشييد المبنى في 26 أكتوبر عام 1932 وافتتحه الملك لاستقبال الزوار في 15 يناير 1933، لكن المتحف أغلق منذ عام 2010 للترميم، وبعد ثورة 25 يناير جرت أعمال تطوير انتهت مارس 2016 وأعيد افتتاحه للجمهور”.
يقع المتحف في طابقين ومن ضمن أندر مقتنياته “القطار الملكي” بداية من الخديو إسماعيل عام 1859، كما يضم عربات البضائع ونماذج للكباري مثل “كوبرى بنها” أول كوبرى أنشئ في مصر عام 1854 إضافة إلى صورة النسخة الأصلية لعقد إنشاء أول خط سكة حديد الذي تم توقيعه بين عباس باشا حاكم مصر آنذاك والمهندس الإنجليزى “روبرت ستيفنسون” وأيضاً توجد أول آلة لطباعة التذاكر من عام 1890.
يمكن للجمهور زيارة المتحف من التاسعة صباحًا حتى الثانية ظهرًا عدا يوم الاثنين، وتذاكر الدخول تباع بسعر عشرة جنيهات للأجانب وثلاثة للمصريين وخمسة للطلبة الأجانب وجنيهاً واحداً للطلبة المصريين.

بنك مصر.. هنا مكتب طلعت حرب

منذ عام 2005 بدأت إدارة التوثيق في بنك مصر التفكير في جمع تراث تاريخ البنك من خلال الاستعانة بالسيدة عنايات شبند “جامعة تراث طلعت حرب” التي تحتفظ بمعلومات ومقتنيات طلعت حرب إضافة لعلاقتها الشخصية بأسرته وأحفاده، كما يقول أشرف الشريف نائب أول مدير متحف بنك مصر، ثم تطورت الفكرة لإنشاء متحف للبنك وافتتح المتحف بالفعل ولكن بشكل غير رسمي نتيجة لأحداث الثورة في مايو 2011 واختير هذا التوقيت ليتزامن مع تاريخ افتتاح البنك في مايو 1920.
يضم المتحف مقتنيات نادرة أبرزها النسخة الأصلية لكتاب “وصف مصر” وخريطة لقناة السويس من عام 1907، بالإضافة إلى مكتب طلعت حرب، ودفتر الحسابات الأول الذي وقّع فيه طلعت حرب بخط يده ويعود تاريخه للعام 1920، بالإضافة إلى المرسوم السلطانى بالموافقة على إنشاء البنك، إلى جانب كسوة لباب الكعبة المشرفة تعود لعام 1937.

الوسوم
إغلاق
إغلاق