ثقافة

فيلم “غبت طويلا يا بني”.. الخروج الآمن من فخ الميلودرامية

ضمن عروض مهرجان القاهرة السينمائي الدولي في دورته الحالية يُعرض في القسم الرسمي خارج المسابقة الفيلم الصيني “غبت طويلا يا بني” لمخرجه وكاتبه وانج شاوشواي.

ربما يقترب الفيلم من الميلودرامية مادام يتناول قصص الفقد والقهر والخذلان والخيانة، وربما يمكن اعتباره ذو حسٍ ملحمي مادام يتناول تحولات الصين في ثلاثة عقود عبر ثلاثة أزواج يعملون في أحد المصانع الحكومية.

ولكن على الرغم من وجود تلك الاشتراطات فيه؛ إلا أنه نجح في الإفلات من سينتمنتالية محتملة وفائضة عن الحاجة وذلك عبر سيناريو ذهني يربط المتلقي بما يراه على الشاشة.

عُرِفت السينما بأنها ابنة الوجدان والمشاعر، يدخلها المرء منا وقد انتوى نسيان عالمه عبر وعد بالإمتاع في دار الخيالة. ولسنوات طويلة ظلت السينما لا تعتمد ألاعيب ذهنية في سرد قصصها حتى لو كانت موضوعتها واقعية. حيث استهدف صُنّاع الأفلام أحاسيس الجمهور ومخاطبة مشاعرهم. وبمرور الوقت ظهرت السينما السوريالية والتجريبية ولكن ظلت أفلامها رهينة تلقي النخبة ومتذوقي السينما رفيعي الثقافة. كان هذا قبل ظهور أعمال سينمائية تتطلب المشاركة الذهنية من المشاهد لالتقاط الحبكة وتسلسل أحداثها وفي نفس الوقت تراعي المُتبِّلات الدرامية من عوامل الإثارة والتشويق التي تكفل تحقيق إيرادات في شباك التذاكر والتي تحافظ على المتعة المرجوّة من طقس الذهاب للسينما. مثل أفلام ochen 11 ومن بعدها باقي السلسلة بجزئيها 12، 13.

فيلم غيبت طويلًا يا بني

لكن ظلت مقادير السرد المُركّب هي ما يفرق بين فنان وآخر. لأي مدى يستطيع الحفاظ على تواصله مع مشاهده؟ ولأي حدٍ يُسمح له باستعراض عضلاته الفنية نيلا للاستحسان أو تحقيقا للريادة الفنية في سرد القصة السينمائية؟ أسئلة كهذه بالتأكيد سألها لنفسه وانج شاوشواي حين شرع في كتابة القصة لفيلمه.

بالتأكيد لم يشغله كثيرا أن يكتب دراما تاريخية تروي تاريخ الصين المُعاصر (حتى وإن حدث ذلك في فيلمه) قدر اهتمامه أن يسرد قصة سينمائية جميلة (وهو ما حدث في الفيلم أيضا)، لكن المعالجة الفنية – لا الموضوع- هي لُبّ الدراما، وطريقة الطرح الفني -لا القصة فحسب- هي ما تخلق الجاذبية لأي عمل فني.

بداية الثمانينيات وأسرتين صينيتين تحتفلان مع صديقة وصديق – سيتزوجان لاحقا- بعيد ميلاد ابنيها واللذين اُعتبرا أخوين لا صديقين منذ طفولتهما. لا تسمح الحكومة في هذا الوقت بأكثر من طفل واحد للأسرة، إذ تخطط لأن يكون تعداد الشعب الصيني مليار وإثنين من عشرة نسمة بنهاية الألفية. ومن يخالف ذلك يتعرض لغرامة كبيرة ويفقد وظيفته. تضطر إحدى الأمهات والتي تعمل مشرفة على العُمّال أن تخبر السلطات بحمل صديقتها في الطفل الثاني ومن ثمّ تلقي السلطات القبض عليها وعلى زوجها ويتم إجهاضها ويتم منحهما جائزة العامل الأفضل.

فيلم غيبت طويلًا يا بني

بعد سنوات يغرق ابن المرأة المجهضة وتشعر صديقتها بتأنيب الضمير لإبلاغها عن حملها سابقا ولأنه غرق أثناء لعبه مع ابنها في البحيرة. فتترك المصنع هي وزوجها الذي بدأ عمله الخاص في المقاولات. وشعور بالذنب ينتابها هي وزوجها وأخته. وفي المقابل تتبنّى الأسرة الأخرى طفلا يتيما علّه يعوض خسارتهما في ابنهما ويتركا سكن المصنع ويتوجهان لمدينة ساحلية بعيدة بعد أن بدأ اعتماد نظام الخصخصة في القطاع الحكومي وتسريح العمالة.

لكن الفتى لا يتوافق معهما حين يصير مراهقا ويتركهما بعد أن يعطيه الأب أوراقه الثبوتية. وفي حين يعمل الأب في ورشته تتواصل معه أخت صديقه الذي كان يدربها في المصنع حين كانت فتاة صغيرة. وتحت شعور الذنب لما اقترفته زوجة أخيها تحاول أن تهدي له ابنا بعد أن حملت منه في زيارته له في المدينة النائية. وتصارحه برغبتها في إخبار زوجته وأن تترك لها الطفل قبل أن تسافر للدراسة في أمريكا. فيرفض حفاظا على مشاعر زوجته.

وتمر الأعوام ويصير ابن الأسرة الثانية طبيبا وتعاني أمه من ورم بالمخ كما تضطرب حالتها العقلية نتيجة الشعور بالذنب لحرمان صديقتها من ابنها الثاني طوال هذه السنوات. وحين تشعر بذلك تخبر زوجها برغبتها في لم الشمل مع أصدقائهم الذين هاجروا للمدينة الساحلية. تبعث في طلبهم وتتكفل بمصاريف الرحلة ليرجعوا للبقاء في سكن المصنع بعد كل هذه السنوات. وحين يأتون لها تكون على فراش الموت فتهمس لصديقتها أنهم أصبحوا أغنياء وبمقدورهم دفعة غرامة الطفل الثاني. وتموت.

فيلم غيبت طويلًا يا بني

بعد العزاء يوصلهم لبيتهم الطبيب ويعترف لهم أنه ضغط على ابنهم لينزل معه البحيرة وأنه حين رفض التوغل أكثر فيها جذبه أكثر فأكثرليغرق في النهاية. وعو الآن يعترف لهما كي لا يموت بإحساس بالذنب مثل أمه. يغفران له. ويحضران سبوع طفله وهناك يتواصلون عبر الإنترنت مع عمته أو أخت صديقهم لنعلم أنها احتفظت بطفلها من الأب الذي يرى ابنه الثاني منها في حين يتلقى اتصالا من ابنه المتبنى يخبره فيه أنه عاد للمدينة الساحلية بصديقته، وأنه يريد البقاء معه هو وأمه.

تجاوز وانج شاوشواي ملحمية القصة وتشابك العلاقات وطولها بسيناريو ذكي وأخّاذ يقوم على كسر وتفتيت السرد زمنيا لوحدات صغرى لا فارق زمني كبير بينها فيعيد تشكيل السرد بقفزات زمنية بسيطة ثم يعاود الارتداد لزمن الحكي الذي كان فيه. فترى على سبيل المثال الفتى المتبنى قبل ولادة الابن. ونرى علاقة الزوج مع أخت صديقه قبل غرق ابنه. وهكذا… لنتشارك مع المخرج في لعبة عقلية شيقة تقوم على فك الإلغاز السردي محاولين ملأ الفجوات السردية وفي نفس الوقت اكتناز وادخار معلومات عن الأحداث اللاحقة عبر ما نشاهده من أحداث المستقبل القريب. هل يتوقف الأمر عند هذا فقط؟ كلا. فعبر الديكور والإكسسوارات والملابس التي تنقل الحقبة الزمنية بمفرداتها البصرية يستخدم المخرج المؤثرات البصرية التي توحي بانتقاله لاستخدام خام الفيلم السينمائي التقليدي حتى جودة ال4k فضلا على استخدامه لدرجات السطوع المتباينة لإعطاء الحس الزمني الملائم لكل حقبة. فنلمس اختلاف الموود الفيلمي حين يسرد أحداث الثمانينات عن أسلوبه حين يتناول فترة التسعينات.

فضلا على التمرير الذكي للمعلومات السردية التي تعكس تغير وجه الصين حيث تظهر كنيسة في إحدى المشاهد وتذهب الأم إلى المعبد حين تتلمس دعما روحيا بعد هجران ابنها المتبنى. ونرى تمثال ماوتسي تونج في الطريق أثناء انتقال الزوج والزوجة من المطار لسكنهما القديم والإعلانات عن المنتجات العالمية تحاصره في إشارات لتغير توجه الدولة القومي والتعبوي واندحار الإشتراكية. فيلم “تأخرت كثيرا يا بني” فيلم يراعي مقادير الخلطة الفنية ومعيار التجريب اللازمين لسرد قصة سينمائية شديد الأصالة شديد الجدة.

الوسوم
إغلاق
إغلاق