شوارعنا

أشباح شارع علوي

حتى بعد شهور طويلة من إزالتها بقرار الحى، لازال هناك من يسأل  العابرين فى شارع علوى عن مكان “قهاوى البورصة”!

 فى الواقع يقع مبنى البورصة المصرية نفسها على بعد خطوات فى شارع الشريفين فى وسط البلد، لكن “مقاهى البورصة” التى لا زال يسأل عنها من لم يعلم بعد بإزالتها، كانت تملأ الشارع الموازى للبورصة من أوله إلى آخره، وهو شارع “علوى”.
وتماما مثل المقاهي التى كانت تملأ شارعه فى السنوات الأخيرة، وإن حملت اسم “قهاوى البورصة”، كان بيت محمد علوى باشا نفسه -طبيب العيون الأسطورى-  يقع فى شارع الشريفين أيضا، أمام البورصة التى لم تكن موجودة فى زمنه، لكن اسمه أطلق على الشارع الموازى الخلفي، شارع علوى، الذي يبدو مثل ممر قد تلمحه أو تتوه عنه بسبب مدخله الصغير شبه المختبىء بين شارعى الشريفين وشارع شريف، الموصل بينهما شارع يحمل اسما “شريفيا” أيضا هو شارع “شريف الصغير”. بين هذا العالم الشريفى يمتد علوى فيمكن أن تميزه بزحام الواقفين على مدخله لشراء السمك المشوى من المنفذ الاستهلاكى الحكومى، أو شراء الخبز البلدى الكبير من الباعة على الرصيف، أو ربما عرفته من مدخله الآخر بشارع قصر النيل، حيث يتوسط مبنيين ماليين، أحدهما مبنى لبنك خاص، وثانيهما هو البنك المركزى شخصيا، فى مقره العريق 31 شارع قصر النيل.
اختفى ضجيج المقاهى إذا وأصوات الرواد وألعاب النرد من شارع علوى، لكن صداها بقى يتردد فى سؤال العابرين عنها، أو أًصوات من اختاروا الشارع بعدما صار هادئا لإجراء المكالمات الهاتفية عبر أجهزتهم المحمولة، دون أن يعرفوا أن صدى أصواتهم ومكالماتهم يرتفع إلى المكاتب الهادئة والفندق الصغير بشارع علوى، غير أن المقاهى الغائبة عن مكانها تاركة ذكراها لا تزيد غرابة عن “ٍسوق الصباح” الذى ينعقد لبيع الخضروات للموظفين ثم يختفي قبل الظهر، تماما كما اختفى مبنى الأهرام القديم الذى لم يعد فى مكانه الآن سوى جراج سيارات يمتد ليحتل ماكانت تشغله عمارة الأديبة اللامعة فى زمانها “مي زيادة”، على نحو ما كشفه تحقيق يحيى وجدى “هكذا وجدنا شقق مي زيادة الأربعة في وسط البلد”، هى مى زيادة نفسها التى لم تكتف بالسكن فى “علوى” باشا، فقد رثته حين مات فى يوم ممطر من العام 1918، قائلة “لو كنت شاعرًا لقلت إن الأمطار المتدفقة فى هذين اليومين ليست إلا دموع عيون تعهدتها عنايته وشفاها علمه”، لا بيت مى زيادة بقى ولا مبنى الأهرام من الزمن القديم، لا المقاهى بقيت ولا يبقى باعة الخضرة مكانهم فى الزمن الحديث، فقط يمكن للماشى ليلا في الهدوء الشامل لشارع علوى أن يتخيل أشباح كل ذلك.
[us_single_image image=”3682″ size=”full” link=”|title:%20%D8%B4%D8%A7%D8%B1%D8%B9%20%D8%B5%D8%A8%D8%B1%D9%89%20%D8%A3%D8%A8%D9%88%20%D8%B9%D9%84%D9%85%20-%20%D8%AA%D8%B5%D9%88%D9%8A%D8%B1%3A%20%D8%B5%D8%AF%D9%8A%D9%82%20%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%AE%D8%B4%D9%88%D9%86%D8%AC%D9%8A||” animate=”afc” animate_delay=”0.6″][us_pricing items=”%5B%7B%22title%22%3A%22%D8%AA%D9%81%D8%A7%D8%B5%D9%8A%D9%84%20%D8%B4%D8%A7%D8%B1%D8%B9%20%D8%B9%D9%84%D9%88%D9%8A%22%2C%22features%22%3A%22%D8%AD%D8%A7%D9%84%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B3%D9%81%D9%84%D8%AA%3A%20%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%A7%D8%B1%D8%B9%20%D9%85%D8%BA%D8%B7%D9%89%20%D8%A8%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%AC%D8%A7%D8%B1%D8%A9%20%D9%88%D9%84%D9%8A%D8%B3%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B3%D9%81%D9%84%D8%AA%D8%8C%20%D9%88%D8%AA%D8%B3%D8%A8%D8%A8%20%D8%AA%D9%83%D8%B3%D9%8A%D8%B1%D9%87%20%D8%A3%D9%83%D8%AB%D8%B1%20%D9%85%D9%86%20%D9%85%D8%B1%D8%A9%20%D9%81%D9%89%20%D8%B3%D9%88%D8%A1%20%D8%AD%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%87%5Cn————————%5Cn%D8%A3%D9%87%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85%3A%20%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%86%D9%83%20%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%89%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%81%D8%B1%D9%8A%D9%82%D9%89.%20%D9%85%D9%83%D8%AA%D8%A8%20%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%85%D8%A7%D9%84%20%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%A7%D8%A8%D8%B9%20%D9%84%D9%85%D9%86%D8%B8%D9%85%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AD%D8%B1%D9%8A%D8%B1%20%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%84%D8%B3%D8%B7%D9%8A%D9%86%D9%8A%D8%A9.%5Cn%D8%AC%D8%B1%D8%A7%D8%AC%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%87%D8%B1%D8%A7%D9%85.%20%D9%81%D9%86%D8%AF%D9%82%20%D8%B1%D9%88%D9%8A%D8%A7%D9%84%20%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B1%D9%83%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B5%D8%B1%D9%8A%D8%A9%20%D9%84%D8%AA%D8%B3%D9%88%D9%8A%D9%82%20%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B3%D9%85%D8%A7%D9%83%D8%8C%20%D9%85%D9%86%D9%81%D8%B0%20%D8%A8%D9%8A%D8%B9%20%D8%B4%D8%B1%D9%83%D8%A9%20%D9%86%D9%8A%D8%A7%D8%B2%D8%A7%20%D9%84%D9%84%D8%A3%D8%AF%D9%88%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%87%D8%B1%D8%A8%D8%A7%D8%A6%D9%8A%D8%A9%5Cn————————%5Cn%D9%85%D8%B7%D8%A7%D8%B9%D9%85%20%D9%88%D9%83%D8%A7%D9%81%D9%8A%D9%87%D8%A7%D8%AA%3A%20%D9%85%D8%B7%D8%B9%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%86%D8%B3%D8%8C%20%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%AF%D9%8A%D8%AF%20%D9%85%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%A7%D9%81%D9%8A%D9%87%D8%A7%D8%AA%20%D9%84%D9%83%D9%86%D9%87%D8%A7%20%D9%85%D8%BA%D9%84%D9%82%D8%A9%20%D9%85%D9%86%D8%B0%20%D8%B9%D8%A7%D9%85%D9%8A%D9%86%5Cn————————%5Cn%D9%85%D8%B3%D8%A7%D8%AD%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%B5%D9%8A%D9%81%3A%20%D9%85%D8%AA%D8%B1%20%D9%85%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%A7%D9%86%D8%A8%D9%8A%D9%86%5Cn————————%5Cn%D8%AD%D8%A7%D9%84%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%B5%D9%8A%D9%81%3A%20%D9%85%D8%AA%D9%88%D8%B3%D8%B7%D8%A9.%5Cn————————%5Cn%D8%B9%D8%AF%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D9%84%D8%A7%D9%81%D8%AA%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%89%20%D8%AA%D8%AD%D9%85%D9%84%20%D8%A7%D8%B3%D9%85%D9%87%3A%20%D9%84%D8%A7%D9%81%D8%AA%D8%A9%20%D9%88%D8%A7%D8%AD%D8%AF%D8%A9%5Cn————————%5Cn%D8%AD%D8%A7%D9%84%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%83%D9%86%3A%20%D9%85%D9%85%D9%86%D9%88%D8%B9%20%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%83%D9%86%20%D8%A8%D9%87%5Cn%22%2C%22btn_color%22%3A%22light%22%2C%22btn_style%22%3A%22raised%22%2C%22btn_size%22%3A%2215px%22%2C%22btn_iconpos%22%3A%22left%22%7D%5D”][us_single_image image=”3683″ animate=”afb” animate_delay=”” css=”.vc_custom_1485276133239{padding-top: 20px !important;}”]
[us_single_image image=”3681″ align=”center” animate=”afl” animate_delay=”0.2″]

ربما لم يسمع المصريون بـ”طب الرمد” قبل دكتور محمد علوي باشا، ربما لم يكن طب العيون برمته سوى وصفات شعبية تضر ولا تنفع، وقد استمر ذلك فترة طويلة فأطاح الرمد والعلاج الشعبي بين ما أطاح ببصر طه حسين في دنيا الواقع، وبعيون أبطال “فنديل أم هاشم” في دنيا الخيال، غير أن بين هذا الواقع وذاك الخيال لا يمكن للعين ألا تبصر اسم محمد علوي، مؤسس طب العيون في مصر، نابغة زمانه، حائز العلم من مصر إلى فرنسا وانجلترا، والذي لم يكتف بما أنجز في طب الأبصار، وإنما كان أهم من أقنع الأميرة فاطمة ابنة الخديوي إسماعيل، بالتبرع بالمال والأرض وعوائد الوقف لبناء الجامعة المصرية (جامعة القاهرة)، كان علوي -لمكانته الرفيعة- طبيب العيون للأسرة الخديوية، لكنه أبى إلا أن يكون طبيبا لمشكلات التعليم والثقافة في مصر، فكافح في الجامعة كما كافح في الطب.

في رثاءه -توفي 1918- تكتب الأديبة مي زيادة في جريدة المحروسة: أما الجامعة المصرية فكان يصرف فيها من وقته شطرًا كبيرًا غير مُبالٍ بما تُكبِّده أمورُها من نَصَبٍ وكَدٍّ، (..) فكنت إذا دخلت الجامعة فإما تجد عند بابها مركبة الدكتور علوي، وإما تلتقي به في بهوها، أو تسمع صوته في إحدى غرفاتها” ولا يكتفي علوي بجناحي الصحة والتعليم، فها هو عضو بارز في “الجمعية الوطنية” التي أنشأها الخديوي إسماعيل محاولا العودة للاستقلال النسبي عن الباب العالي، قبل أن يخلعه السلطان عن حكم مصر 1879قبل سنوات ثلاثة من غزو الانجليز، لكنه لا يتعب، فمن ناحية يضع كل جهده فى التعليم والتأسيس لطب العيون، ومن ناحية يحاول في العمل الوطني ما استطاع، حتى يحفظ التاريخ أنه كان أحد ثلاثة أصروا على تخليد ذكرى مصطفى باشا كامل، الزعيم الوطني الذي رحل في شرخ الشباب، فكان عضو لجنة إقامة تمثاله، وهي المحاولة التي بدأت من الاجتماع الأول للجنة في مارس 1909، ولم تنجح إلى بعد سنوات طويلة من رحيل علوي باشا، ليرفع الملك الستار عن التمثال في 15 مايو 1940.

 
مصادر: أرشيف الأهرام، خواطر مصرية، المحروسة«أرشيف هنداوى»
الوسوم

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق