شوارعنا

المدينة السرية فى يوسف الجندى

لم يكن الهدوء –عادة- معلم بداية الشارع من ناحية الشيخ ريحان، حتى وقعت الثورة وأحداثها

قد لا تنتبه، وأنت تمر فى المسافة بين محل الأنتيكات على يسار شارع يوسف الجندي، وبين التقاطع مع هدى شعراوى، إلى الخيال التجارى الغريب، الذى يشغل ممرا يكاد يكون أوسع من الشارع الرئيسى نفسه..

فى الممر العريض، تتقاطع لافتات عدة، تشير إلى نفسها بأوصاف لا تقل عن «المدينة»، فهنا «مدينة العدد اليدوية» وهنا «مدينة أجهزة القياس الإلكترونية» وهنا «مدينة الدوائر الإلكترونية»، مدن كامنة فى الممر المظلل، الذى تستقبلك فى مدخله لافتات عدة لأطباء وطبيبات، لا تحمل أوصافهم أى مدن،  لكنهم، والبوابة التى تستقبلك، واللافتات المتداخلة، والسلالم النازلة والطالعة، توحى لك بوجود مدينة كاملة، شبه سرية، تكاد ألا تراها إذا لم تلتفت فى مسيرك من شارع البستان إلى هدى شعراوى، عبر «يوسف الجندى».

ثمة «يوسف جندى» آخر فى مدينة نصر، وبالطبع هناك «يوسف جندى» فى زفتى، أصل الجندى وموطن «جمهوريته»، لكن «جندى» وسط المدينة، هو الأبرز والأشهر ككل ما ينتمى إلى وسط البلد.

لم يكن الهدوء –عادة- معلم بداية الشارع من ناحية الشيخ ريحان، حتى وقعت الثورة وأحداثها ثم اشتعل شارع محمد محمود، وأقامت الداخلية جدار العزل تغلق به نهاية «يوسف الجندى»، عند نهاية سور المدرسة الفرنسية العريقة، الليسيه، التى ضربتها الأحداث وجرحتها الاشتباكات واعتلاها الجنود ليحكموا التصويب نحو المتظاهرين، فى إحدى تلك التصويبات، سقط جابر صلاح الشهير بجيكا. وهذا هو سر الخبر الذى تجده عالقا على صفحات الإنترنت: المتظاهرون يطلقون اسم جيكا على شارع يوسف الجندى.

لكن الجندى، ورغم التاريخ – الشخصى– الدموى كذلك، هو أقدم من كل ذلك، شارعا واسما، وعلى الناحية الأخرى من مدرسة الليسيه، بعدها بخطوات، تعلو المبانى المهيبة التابعة للجامعة الأمريكية، ومكتبتها العريقة التى كست جدرانها رسوم الجرافيتى، تسخر من كل خصم للثورة، رجلا كان أو فكرة، تتجاور البيادة العسكرية والذقن المتطرفة على الجدران وبينها ملائكة تطفو أو تنزف دما، وأمامها، بين محمد محمود والمكتبة والعقارات السكنية، يسكن مقهى صغير، يكاد بدوره ألا يرى لكنه طالما انشغل بجدالات السياسة، تصعد وتتبخر فى الأرض الفضاء بجواره، أو تتسرب فى الممرات المتداخلة الموصّلة– بصورة محيّرة– إلى ميدان التحرير.

مول البستان من أقدم مولات وسط البلد - تصوير: كريم منير
مول البستان من أقدم مولات وسط البلد – تصوير: كريم منير

ويأبى البستان، أعرق مولات «البلد» إلا أن يشارك بأحد جوانبه العريضة فى يوسف الجندى، لا ذلك فحسب بل يسطو على اسم عبد السلام عارف، أول رئيس عراقى، وشارعه الآتى من باب اللوق ممتدا إلى التحرير، فيشتهر باسم شارع البستان، قاطعا يوسف الجندى من منتصفه، عازلا إياه عن «الداخلية و «الليسيه» و«الأمريكية»، بادئًا معه عالم هدى شعراوى ومحلات الأنتيكات والمكتبات، ومنتهيا إلى «صبرى أبو علم»، حيث شاء «محمد» ابن «يوسف الجندى»، أن ينشىء داره ومكتبته الشهيرة «الثقافة الجديدة» على بعد خطوات من شارع الأب الثورى.

“جمهورية يوسف”

يوسف الجندي
يوسف الجندي (1893 – 1941)

ما يخطر على البال عند تذكر «جمهورية زفتى»، لا يشترط أن يكون فعل الاستقلال نفسه، بل: لماذا اختار أن تكون زفتى «جمهورية»؟ فى هذا الزمن المبكر، مارس 1919، عندما كان العالم يرفل فى ثياب الملوك والأباطرة والسلاطين والقياصرة، وكان لمصر نفسها «سلطان» هو السلطان فؤاد الأول، والذى غيّر لقبه –بعد الاستقلال الصورى- فيما بعد إلى «الملك» فؤاد «ملك مصر وسيد النوبة وكردفان ودارفور»، فمن أين جاءت الفكرة إلى المحامى الشاب يوسف الجندى، أن يعلن «جمهورية»؟ أمن فرنسا الخصم اللدود للعرش البريطانى؟ أرأى أن السمت الجمهورى أشد رفضًا لتاج الإمبراطورية؟

ربما، الأكيد، أن زفتى، المدينة الواقعة فى الغربية فى دلتا النيل، عرفت باسم جمهوريتها التى أعلنها الجندى ورفاقه: عوض الجندى والفخرانى ومحمد أفندى عجينه، فى 18 مارس 1919، بعد 10 أيام بالتمام من اعتقال الإنجليز لزعيم الأمة سعد زغلول.

لم يكن إعلان الجمهورية احتجاجيا أو إعلاميا، وإن كوّن الجندى ورفاقه لجنة للإعلام، أضيفت إلى غيرها من اللجان مثل الإمداد والتموين، والبلدية باشروا من خلالها مهام «الجمهورية « فورا وبجدية مخلصة، وفشلت التجريدة العسكرية الإنجليزية الصغيرة التى توجهت إلى المدينة عبر كوبرى ميت غمر، وأيقن الإنجليز جدية وخطورة الشأن بعدما تسرب إلى الصحافة، فى وقت تموج فيه البلاد بتظاهرات الاستقلال. وقبل أن تتجاوز الجمهورية الصغيرة يومها العاشر، كان جنود الإرسالية الإسترالية ينزلون شاطيء نيل المدينة، ويقتحمونها مفتشين عن «المؤسس». انتقل الجندى من بيت إلى آخر، ومن مدينة إلى أخرى، حتى أفرج عن سعد زغلول فى 7 أبريل، ليتوجه إلى «مؤتمر الصلح فى فرساى»، خاب مسعى زعيم الأمة بين الدول الكبرى، لكن يوسف الجندى، خلّدت اسمه جمهورية زفتى، أو خلّد هو اسمها، قبل أن يغيب فى 1941، عن عمر لم يتجاوز الثامنة والأربعين.

الوسوم

‫2 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق