شوارعنا

خيرت “مزيج” السيدة

رغم تحذيرات الاحتلال، تزاحم الناس في السويس يستقبلون العائد من المنفى بعد 19 عامًا و4 شهور، هكذا وجدهم عرابي باشا في استقباله، ووجد الزحام نفسه في محطة القاهرة، غير أنه كان زحام من عاصروا ثورته، أما الأجيال الناشئة فلم تكن تذكر ثورته إلا بالسوء، فقد نشأت على دعاية تتهم “هوجة عرابي” بأنها أعطت الحجة للإنجليز في دخول مصر، وفي القاهرة أخذ عرابى المركبات إلى بيت أولاده في شارع خيرت، عاش هناك كمواطن عادى وهو الرجل الذى امتدت شهرته من إنجلترا إلى الأستانة، وربما لم يكن يدرى أن لاسم الشارع الذي قضى فيه سنواته الأخيرة علاقة بالخديو الذي ثار ضده قبل عقدين من الزمان، الخديو توفيق الذي مات -للعجب- شابًا فى التاسعة والثلاثين، قبل عودة عرابى من المنفى بعشر سنين، كان -بصفة غير مباشرة- وراء تسمية شارع خيرت بهذا الاسم، حين أهدى قطعة أرض لعبيد الله خيرت، أو خيرت الكبير، الوافد حديثا إلى القاهرة.

بين الأسماء الخديوية عموما يقع “شارع خيرت” أحد أعرق شوارع السيدة زينب، يمتد بين ميدان لاظ أوغلي شمالا، و”المبتديان” جنوبًا، ويوازيه شارع نوبار باشا من جهة قصر العينى، وشارع محمد فريد “الناصرية” من جهة شارع بورسعيد، ومن المفارقة أن خيرت نفسه لم يكن باشا، غير أنه، وعائلته، صاروا أهمّ من الباشوات، وصار اسم خيرت في كل جيل تالٍ يعني أديبا أو معماريا أو موسيقيا كبيرًا.

وعلى الرغم من انتماء شارع خيرت إلى حي السيدة زينب، إلا إنه انتماء كانتماء شوارع منصور والفلكي وحسين حجازى وضريح سعد والرصيف الأيسر من قصر العينى إلى حي “السيدة”، إنه انتماء إداري، صنعته التقسيمات البيروقراطية، إذ تبقى روح معظم تلك الشوارع أقرب إلى “وسط البلد” منها إلى السيدة زينب، أو قل إنها، وخيرت خاصة، هي مداخل الحى الشعبي للسيدة زينب، فلازال أمامك خطوات تخطوها لتصل إلى صحن جامع السيدة، إلى أجواء أم هاشم، وميدانها ومجاذيبها ومقاهيها، وشوارعها الخلفية، خطوات لابد أن تقطعها إلى نهاية خيرت وصولا إلى المبتديان، أو ربما ترجع إلى أول خيرت، لتتجه يسارا إلى نهاية شارع مجلس الأمة وصولا إلى شارع بوسعيد، بهذا الطريق أو ذاك تجد نفسك في “قلب السيدة”، أما خيرت نفسه فكأنه المزيج بين أجواء السيدة بأنواعها، هو شارع المدخل الحكومي الهامّ في “لاظ اوغلي”، والمقاهي الشعبية و”المسامط” على الجانبين، شارع الحلوى والمجوهرات، شارع الشقق للإيجار وعيادات الأطباء ومكاتب المأذون الشرعي، لا يسكنه الأجانب كما يسكنون “ضريح سعد” ولا تقام فيه خيم الليلة الكبيرة كما في ميدان السيدة، لكنه، قريب جدًا من هذا وذاك.

[us_pricing items=”%5B%7B%22title%22%3A%22%D8%AA%D9%81%D8%A7%D8%B5%D9%8A%D9%84%20%D8%B4%D8%A7%D8%B1%D8%B9%20%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF%20%D9%81%D8%B1%D9%8A%D8%AF%22%2C%22features%22%3A%22%D8%AD%D8%A7%D9%84%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B3%D9%81%D9%84%D8%AA%3A%20%D8%B3%D9%8A%D8%A6%D8%A9.%5Cn————————%5Cn%D9%85%D8%B3%D8%A7%D8%AD%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%B5%D9%8A%D9%81%3A%202.5%20%D9%85%D8%AA%D8%B1%5Cn————————%5Cn%D8%A3%D9%87%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85%3A%20%D8%B9%D9%85%D8%B1%20%D8%A3%D9%81%D9%86%D8%AF%D9%8A-%20%D9%85%D8%B5%D9%84%D8%AD%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%B6%D8%B1%D8%A7%D8%A6%D8%A8%20%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%82%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%A9%5Cn————————%5Cn%D9%85%D8%B7%D8%A7%D8%B9%D9%85%20%D9%88%D9%83%D8%A7%D9%81%D9%8A%D9%87%D8%A7%D8%AA%3A%20%D8%AC%D8%A7%D8%AF-%20%D9%85%D8%B7%D8%A7%D8%B9%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AF%D9%8A%D9%86%D8%A9-%20%D9%83%D8%A7%D9%81%D9%8A%D9%87%5Cn%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B4%D8%A8%D9%8A%D8%B4%D9%8A-%20%D9%86%D8%AF%D9%88%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D8%B1%D8%A7%D8%A1-%20%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%BA%D9%84-%20%D8%AD%D9%84%D9%88%20%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%A7%D9%85%5Cn————————%5Cn%D8%B9%D8%AF%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D9%84%D8%A7%D9%81%D8%AA%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%89%20%D8%AA%D8%AD%D9%85%D9%84%20%D8%A7%D8%B3%D9%85%D9%87%3A%203%20%D9%84%D8%A7%D9%81%D8%AA%D8%A7%D8%AA.%5Cn————————%5Cn%D8%AD%D8%A7%D9%84%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%83%D9%86%3A%20%D8%B5%D9%81%20%D9%88%D8%A7%D8%AD%D8%AF%20%D8%B9%D9%85%D9%88%D8%AF%D9%8A%20%D8%B9%D9%84%D9%89%20%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%B5%D9%8A%D9%81%22%2C%22btn_color%22%3A%22light%22%2C%22btn_style%22%3A%22raised%22%2C%22btn_size%22%3A%2215px%22%2C%22btn_iconpos%22%3A%22left%22%7D%5D”]

على خريطة جوجل كتب أحدهم اسم الموسيقار عمر خيرت فوق اسم شارع خيرت بالسيدة زينب، لم يخطئ كثيرًا فالموسيقار هو ابن حفيد خيرت الكبير: خيرت الأول أو عبيد الله خيرت، الخطاط الذي جاء من أواسط آسيا إلى الحجاز ثم إلى مصر واستقر فيها، وربح منافسة لكتابة اسم الخديو توفيق على الأزرار الذهبية لملابس الضباط، وفق رواية عمر خيرت، فقد كافأ الخديوى جده الكبير عبيد الله خيرت بقطعة أرض في “بركة الفيل” التي كانت في ذلك الزمان من أكبر متنزهات القاهرة، هناك بنى خيرت الكبير بيته وتسمّت المنطقة -الشارع فيما بعد باسمه، وفي البيت الكبير الذي صار ملتقى كبار الفنانين والأدباء، ولد عمر خيرت، وقبله عمّه المهندس والموسيقار ومؤسس الكونسرفتوار المصري أبوبكر خيرت (وله شارع صغير باسمه بين شارعي طلعت حرب وشريف)، أما جد عمر، المحامى والأديب محمود خيرت، ابن خيرت الكبير، فتراوحت جهوده بين الشعر والنقد والمسرح، له كتاب مشهور في شرح قصيدة الشاعر الإعرابي الأموى بن الجهم، سمّاه على طريقة السجع المميزة لكتب ذلك الزمان “تنويرالفهم في شرح وتشطير قصيدة ابن الجهم”، وكان الأديب كذلك عضوًا نشطًا في حزب الوفد، محبًا حقيقيًا لسعد زغلول وله قصائد فى رثائه ضمها كتاب “دموع الشعراء على سعد”،  كان حبه صادقًا لسعد ولمبادئه، فصار قبل رحيل الزعيم بسنوات أحد قيادات ثورة 1919، بعد 40 عامًا من ثورة ساكن شارع العائلة، أحمد عرابى.

[us_single_image image=”9841″ align=”center” animate=”afl” animate_delay=”0.2″]
الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق