شوارعنا

غرباء شارع جواد حسنى

إذا كنت مهتمًا بالأدب فستبتسم حين تتجه يسارًا من شارع رشدي لتدخل إلى «جواد حسني»، فعلى الناصية مباشرة ستجد محل حلاق لم يجد لنفسه اسما سوى كوافير «أدونيس» http://weedlex.com/tags/education.

لكن عليك أن تتراجع قليلا، فذلك المدخل إلى جواد حسني خادع يوحي ببدءه من تلك الناصية الأدونيسية، أما إذا اتجهت يمينًا في شارع رشدي فستكتشف أن جواد حسني يبدأ من قبل ذلك، تجاوز إذن زحام السيارات المحتشدة حول محطة البنزين من أجل «البنزين 80»، لتمر من بينها داخلا إلى الشارع الضيق على اليمين، ستجد طابور سيارات آخر بطول الشارع ينتظر نوع البنزين نفسه، من هنا البداية الرسمية لشارع جواد حسني، مدخل مخادع آخر لأنه باهت هذه المرة بلا علامات مميزة، أو لا تمّيزه سوى لافتة في مواجهة المدخل، لكنها لافتة تحمل اسم شارع آخر هو صبري أبو علم، الذي ينتهي حيث يبدأ جواد حسني.

هل تهت قليلا؟ لنقلها ببساطة، يبدأ جواد حسني من نهاية صبري أبو علم على بعد خطوات من محطة مترو محمد نجيب، يمتد عرضيا ليتقاطع مع شارع قصر النيل، ثم يصب في النهاية في عبد الخالق ثروت، لكن هذا الوصف المختصر لا يفي «جواد» حقه، فثمة الكثير من المشاهد التي قد تراها متناقضة هنا، أو تراها –من زاوية أخرى-  متناسقة تماما.

على ناصية «جواد حسني» المطلة على شارع قصر النيل، سترى في النهار، حشود العشرات أو المئات المتنافسين على فرصة هي «الأمرّ من المرّ»، يقع هنا مكتب «الخطوط الجوية الليبية» حيث تتزاحم وجوه الفقراء وأياديهم تمسك بأوراقها وحقائبها تبحث عن فرصة في صحراء النفط والميليشيات والآمال المهدرة، فإذا منعتهم القرارات الرسمية اختفوا من هنا راحلين نحو الحدود الغربية أملا في عبور برّي.

يبدأ التناقض هنا، إذ يبدو الفقراء المنتظرين، غرباء في الشارع الذي ترتفع على جانبيه عالية مهيبة مباني البنوك الهائلة المتراصة جوار بعضها البعض، أكثرها مباني بنك مصر، وعلى الناصية الأخرى مبنى بنك الإسكندرية، أما في مواجهة «الخطوط الليبية» مباشرة، يرتفع مبنى «بنك ناصر الاجتماعي» يغطي ظله صفوف العمال الواقفين، كأنما في مشهد رمزي من فيلم واقعي، لكن باستثناء «بنك ناصر»، تعطي البنوك الأخرى لشارع جواد حسني ظهرها، أما مداخلها الفخمة العالية فتنفتح على شارعي محمد فريد وشريف باشا، اللذين يحيطان جواد حسني، يحجزان عنه معظم حركة المرور والضوضاء.

كلما ظننت أن شارع جواد انتهى، وجدته لازال متواصلا، تعبر جوار المحلات والمقاهي، الجاليري ومعارض الأنتيكات المتعددة، مطاعم الطيور واللحوم التي تكثر –ولكن بلا صخب– هنا، مكاتب الشركات تتجاور أيضا، بعضها حتى غريب ونادر مثل «مكتب تلبية شكاوى أعطال المصاعد»، ثمة مكتبتان إحداهما بلا اسم ولا تحمل لافتة، في النهاية، حيث يقترب عبد الخالق ثروت، ينتهي جواد حسني، بابتسامة أخرى، أمام بار «كاب دور» الشهير، يقبع كشك دخان على الناصية، لم يجد عبارة يكتبها بالخط العريض، سوى كلمات بالإنجليزية تقول «التدخين ..يقتل».

  • حالة الأسفلت: متوسطة إلى سيئة
  • مساحة الرصيف: 1 متر وجزء كبير من الشارع بدون رصيف
  • حالة الرصيف: متوسط
  • عدد اللافتات التي تحمل اسمه: ٦ لافتات
  • حالة الركن: صف واحد عمودي أو مواز للرصيف
  • أهم المعالم: شركة الأهرام للمجمعات الاستهلاكية، البنك المركزي القديم، محلات هيلتون، بنزينة التعاون، صالة مزادات كاتساروس، جاليري فيليب.
  • مطاعم وكافيتريات: كبابجي الشروق، مقهى محمد عراقي، مقهى عمر وسلمى، مطعم نجمة الصباح
  • مكتبات ومراكز ثقافية: مكتبة الفيروز، مكتبة ليلى، مكتب المستشار الثقافي المجري.

في ليل 16 نوفمبر 1956، توغل طالب الحقوق «جواد حسني» بين صفوف القوات الفرنسية على الضفة الشرقية لقناة السويس، وكان لايزال يعاني من إصابة حديثة برصاصة إسرائيلية، وفي ضفة سيناء حوصر وأسره الفرنسيون، أخذوه إلى معسكر الأسرى في بور فؤاد، وظل هناك بين أيديهم تحت الاستجواب والتعذيب، وبعد أسبوعين من أسره، أوهمه الضابط الفرنسي بإطلاق سراحه، خرج جواد ماشيا نحو باب المعسكر، فتم إطلاق النار عليه وقتله في الثاني من ديسمبر 1956، كان قد تجاوز الحادية والعشرين من العمر ببضع شهور فقط (مواليد 20 أبريل 1935).

لكن تلك الأيام المعدودة بين أسره وقتله، تلك السنوات المعدودة بين ميلاده وموته، كانت نظيرًا لأيام أخرى فصلت بين جواد حسني وبين تخرجه من كلية الحقوق جامعة القاهرة، كان طالبا في سنته الأخيرة، ينتظر «الشهادة» الكبيرة، شهادة ليسانس الحقوق، لكنه اختار شهادة أخرى، فقدم روحه من أجل الوطن، قائدا لـ«كتيبة الحقوق»، التي شاركت بقوة في المقاومة الشعبية ضد العدوان الثلاثي الذي شنته على مصر فرنسا وإسرائيل، وبريطانيا التي لم يكن قد مر على جلاءها من مصر سوى  أشهر قليلة.

قبل موته، كتب جواد على حائط زنزانته في بور فؤاد حكايته، وتاريخ أسره، ودوافعه «فوجئت بالغرباء يقذفون أرضي بالقنابل فنهضت لنصرته، وتلبية ندائه.. والحمد لله لقد شفيت غليلي في أعداء البشرية، وأنا الآن سجين وجرحي ينزف بالدماء.. أنا هنا في معسكر الأعداء أتحمل أقسى أنواع التعذيب.. ولكن يا ترى هل سأعيش؟ هل سأرى مصر حرة مستقلة؟ ليس المهم أن أعيش.. المهم أن تنتصر مصر ويهزم الأعداء»

مات جواد قبل أن يحصل على شهادة الحقوق، لكن هناك في كليته، كلية الحقوق جامعة القاهرة، ارتفع نصب تذكاري يحمل اسم «البطل جواد حسني».

(مصادر: البطل جواد على حسني / المؤلف: أبو الحجاج حافظ،

الوجه الآخر للميدالية، حرب السويس 1956 أسرار المقاومة السرية فى بورسعيد، تأليف: يحيى الشاعر)

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق