شوارعنا

50 خطـوة فـي أبـو بـكر خيـرت

في قلب القاهرة تقع وسط البلد، في قلب وسط البلد تقع منطقة البورصة، في قلب البورصة ثلاث شوارع صغيرة تشبه شرايين دقيقة تصل ما بين شوارع البورصة الثلاثة الأكبر (الشريفين، وعلوي، والقاضي الفاضل)، الشرايين الثلاثة يتوسطها شريان ذو طابع موسيقي؛ شارع صغير هو شارع –الموسيقار- أبو بكر خيرت، صغير  لدرجة أنك لن تخطو أكثر من 50 خطوة من بدايته إلى منتهاه.
كأنه رافد صغير من النهر الكبير، كأن شارع أبو بكر خيرت مبعوث من شارع “خيرت” الكبير في السيدة زينب، الشارعان على اسم العائلة نفسها، في السيّدة ولد أبوبكر ابنا لمحمود خيرت الذي طالما استقبل في بيته رواد الموسيقي ومنهم سيد درويش ذاته، أما “أبوبكر خيرت” الشارع الصغير فهنا في وسط البلد، بين العمارات الأنيقة العالية، هاديء لم يشوّش هدوءه إلا أمران، ضجيج المقاهي التي توغلت فيه امتدادًا من شارع القاضي الفاضل قبل أن ترفعها البلدية مؤخرا، وصوت مولد الكهرباء الهائل الذي يأتي من وراء باب محل مغلق موصلا الكهرباء إلى مبنى البورصة الكبير، الذي يقاسم فندق “الكوزموبوليتان” الجهة اليسرى كاملة من شارع أبو بكر خيرت، اليسرى لو كنت ماشيا في اتجاه الشريفين، يعطي البورصة جانبه إلى أبوبكر خيرت، أما الكوزموبوليتان العريق فيعطي هنا ظهره، أما مدخله الواسع ومدخل باره الضيق فينفتح على القاضي الفاضل، لكن ربما كان لأبوبكر خيرت نصيب آخر أكثر غنى يمده به الكوزموبوليتان، ليس فحسب بلكوناته المنقوشة الملونة، وإنما مدخل العمال والموظفين ومؤدي الفقرات الفنية، هنا يدخلون في زي المطابخ وعاملي النظافة وحراس الأمن، ومن هنا تدخل الراقصة في منتصف الليل لتؤدي فقرتها ثم تخرج لتلحق عيشها في مكان آخر.
من يعطي “وجهه” إذا إلى أبو بكرخيرت؟ المكتبة الوحيدة، التي كانت يوما ما “شرقيات” ثم صارت مكتبة “سندباد” وظلت كذلك أمدًا طويلا، حتى أصبحت مؤخرا “الكتب خان”، من وراء فاتريناتها الزجاجية وخشبها البنّي العتيق، تطل العناوين الغنية والقيّمة مقصد المثقفين، على لافتة مرتفعة زرقاء يقول الحائط إن أبوبكر خيرت كان يحمل سابقا اسم “موسى قطاوي باشا”، كان قطاوي باشا في زمانه عميد الجالية اليهودية في مصر، رجل أعمال ثري ومؤسس مشروعات كبرى، وكان صديقا للملك إلى أن أغضبته منه برقية معايدة أرسلها إلى سعد زغلول، لم يعد اسم قطاوي رسميا على الشارع لكنه لازال على اللافتة ولو سابقا، أما أبو بكر خيرت فيستحق ربما أن يمتد اسمه ولو إلى نهاية الشارع وصولا إلى شارع شريف، إذ لا  ينتبه الكثيرون إلى أن امتداد شارع أبو بكر خيرت –بعد تقاطع الشريفين-  لا يحمل اسم خيرت، بل يحمل اسما عجيبا هو “شارع شريف الصغير”.

[us_single_image image=”8020″ size=”full” link=”|title:%20%D8%B4%D8%A7%D8%B1%D8%B9%20%D8%B5%D8%A8%D8%B1%D9%89%20%D8%A3%D8%A8%D9%88%20%D8%B9%D9%84%D9%85%20-%20%D8%AA%D8%B5%D9%88%D9%8A%D8%B1%3A%20%D8%B5%D8%AF%D9%8A%D9%82%20%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%AE%D8%B4%D9%88%D9%86%D8%AC%D9%8A||” animate=”afc” animate_delay=”0.6″][us_pricing items=”%5B%7B%22title%22%3A%22%D8%AA%D9%81%D8%A7%D8%B5%D9%8A%D9%84%20%D8%B4%D8%A7%D8%B1%D8%B9%20%20%D8%A3%D8%A8%D9%88%20%D8%A8%D9%83%D8%B1%20%D8%AE%D9%8A%D8%B1%D8%AA%22%2C%22features%22%3A%22%D8%AD%D8%A7%D9%84%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%A7%D8%B1%D8%B9%3A%20%D9%85%D8%AA%D9%88%D8%B3%D8%B7%D8%A9%5Cn————————%5Cn%D9%85%D8%B3%D8%A7%D8%AD%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%B5%D9%8A%D9%81%3A%20%D9%84%D8%A7%20%D9%8A%D9%88%D8%AC%D8%AF%20%D8%B1%D8%B5%D9%8A%D9%81%D8%8C%20%D8%AD%D9%8A%D8%AB%20%D8%A3%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%A7%D8%B1%D8%B9%20%D9%85%D8%A8%D9%84%D8%B7%20%5Cn%5Ct————————%5Cn%D8%B9%D8%AF%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D9%84%D8%A7%D9%81%D8%AA%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%89%20%D8%AA%D8%AD%D9%85%D9%84%20%D8%A7%D8%B3%D9%85%D9%87%3A%20%20%D9%84%D8%A7%D9%81%D8%AA%D8%A9%20%D9%88%D8%A7%D8%AD%D8%AF%D8%A9%5Cn————————%5Cn%D8%AD%D8%A7%D9%84%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%83%D9%86%3A%20%D9%84%D8%A7%20%D9%8A%D9%88%D8%AC%D8%AF%20%D8%B1%D9%83%D9%86%5Cn————————%5Cn%D8%A3%D9%87%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85%3A%20%D9%81%D9%86%D8%AF%D9%82%20%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%88%D8%B2%D9%85%D9%88%D8%A8%D9%88%D9%84%D9%8A%D8%AA%D8%A7%D9%86%D8%8C%20%D8%B4%D8%B1%D9%83%D8%A9%20%D9%85%D8%B5%D8%B1%20%D9%84%D9%86%D8%B4%D8%B1%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D9%84%D9%88%D9%85%D8%A7%D8%AA%D8%8C%20%D9%86%D8%A7%D8%AF%D9%8A%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B0%D8%A7%D8%B9%D8%A9%D8%8C%20%D9%88%D9%83%D8%A7%D9%84%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%87%D8%B1%D8%A7%D9%85%20%D9%84%D8%AA%D9%88%D8%B2%D9%8A%D8%B9%20%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%84%D9%85%D9%8A%D8%A9%5Cn————————%5Cn%D9%85%D8%B7%D8%A7%D8%B9%D9%85%20%D9%88%D9%83%D8%A7%D9%81%D9%8A%D8%AA%D8%B1%D9%8A%D8%A7%D8%AA%3A%20%D9%83%D8%A7%D9%81%D9%8A%D8%AA%D8%B1%D9%8A%D8%A7%20%D8%A8%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D8%AF%D8%A7%D9%8A%D8%B3%D8%8C%20%D9%85%D8%B7%D8%B9%D9%85%20%D9%81%D9%88%D9%84%20%D8%A3%D9%88%D9%84%D8%A7%D8%AF%20%D8%B9%D9%88%D8%B6%5Cn————————%5Cn%5Cn%D9%85%D9%83%D8%AA%D8%A8%D8%A7%D8%AA%20%D9%88%D9%85%D8%B1%D8%A7%D9%83%D8%B2%20%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D9%8A%D8%A9%3A%20%D9%85%D9%83%D8%AA%D8%A8%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%AA%D8%A8%20%D8%AE%D8%A7%D9%86%5Cn%22%2C%22btn_color%22%3A%22light%22%2C%22btn_style%22%3A%22raised%22%2C%22btn_size%22%3A%2215px%22%2C%22btn_iconpos%22%3A%22left%22%7D%5D”]
[us_single_image image=”8021″ align=”center” animate=”afb” animate_delay=”0.2″ css=”.vc_custom_1487512250014{padding-top: 20px !important;}”]
[us_separator thick=”3″ text=”مهندس الموسيقى” title_tag=”h1″]

ربما كانت تلك المرة الوحيدة التي أمكن فيها لشخص ما أن يبني مؤسسة بالمعنيين المادي والروحي معًا، حدث ذلك عندما أسس أبوبكر خيرت (بصفته الموسيقية) معهد الكونسرفتوار “المعهد العالي للموسيقى” وصار رائده ورئيسه الأول، وذلك بعد أن قام أبو بكر خيرت (بصفته الهندسية) بتصميم وإنشاء المعهد نفسه، ضمن إنشاءات أخرى معمارية صممها وأسسها مثل قاعة سيد درويش في الهرم ومقرات أكاديمية الفنون، وكما كان  أبوبكر المصمم  الهندسي لتلك المؤسسات الريادية، فقد لعب  دورا لا يقل في تصميم وإنشاء “السيمفونيات الشرقية”، وهو  أول من وضع الموسيقى المصرية في إطار سيمفوني، كما في “المتتالية الشعبية”.

ربما لتضافر المادي “الهندسي” والروحي “الفني” في عالم أبوبكر خيرت، لم يكن غريبا أن اختاره الموت للرحيل في قلب عالميه، في مكتبه بالكونسرفتوار في 25 أكتوبر 1963، لم يكن عجوزا ولا طاعنا في السن، كان أتمّ عامه الرابع والخمسين فحسب، ولم يكن مضى على فوزه بجائزة الدولة التشجيعية إلا أربع سنين، لكن أحدا لا يختار موعد رحيله، خاصة لو عاش حياة حافلة مثل أبوبكر خيرت منذ ولد –من أم يونانية وأب مصري- في بيت  عائلة “خيرت” العريق بالسيدة زينب، في 27 أبريل 1910.

على طريقة الموسيقيين العالميين وأبناء بيوت الموسيقى الكبيرة، تعلّم السلم الموسيقي والعزف في سنواته الأولى، في سن الخامسة عزف الكمان، وفي العاشرة عزف البيانو، وحين حصل على بكالوريوس الهندسة المعمارية وهوفي العشرين من عمره سافر في بعثة –لتقدريه الممتاز- إلى باريس، وعلى طريقة المعماريين الكبار درس في باريس المعمار وتخطيط المدن، كانت تلك دراسة البعثة فأضاف إليها مواصلة دراسته للموسيقى ثم بدأ التأليف الموسيقى، رحلة لم تنته إلا وفي جعبة أبوبكر خيرت أكثر من أربعين عملا موسيقيا، من السيمفونيات والكونشرتو وموسيقى الباليه والموشحات، ولم يكتف اسم “خيرت” بذلك بل أمدت عائلته الموسيقى المصرية بأحد أجمل روافدها، الموسيقار عمر خيرت ابن شقيق أبو بكر خيرت.

[us_single_image image=”8025″ align=”center” animate=”afl” animate_delay=”0.2″]
الوسوم

‫2٬439 تعليقات