فنون

اتجاهات.. عن بلد فقد بوصلته

ضمن أفلام  بانوراما الفيلم الأوروبي يُـعرض فيلم “Posoki”  أو “اتجاهات” والذي قدَّم صورة بانورامية للمجتمع البلغاري في الألفية الجديدة.. مجتمع تعصف به التغيرات العنيفة من كل صوب.. مشاكل بطالة وعنف وفساد.. مجتمع أقرب في بنيته لمجتمعاتنا الشرقية بؤسًـا والذي يصارع من أجل البقاء فيرصد الفيلم محاولات البشر لمقاومة التغيير والتكيُّـف مع المستجدات العالمية. وخيارات الانتماء المزدوج للاتحاد الأوروبي أم الناتو (حلف شمال الأطلسي).

المشاهد ليلية في أغلبها والكاميرا محمولة مضطربة تحاول أن تلحق بالأبطال وتتابعهم  في مكان شديد الضيق كسيارة التاكسي، وعبر مشهد اللقطة الواحدة يختار المخرج ستيفان كومانداريف أن يُـلاحق أبطاله لدرجة اللهاث.

الرابط بين شخصيات الفيلم التاكسي هو أثير الإذاعة الذي ينقل مكالمات المستمعين تعليقا على حادث مقتل رجل أعمال على يد سائق تاكسي.. وبالاستماع إلى هذا البرنامج يتم إلقاء الضوء على الشارع البلغاري عبر راكبي التاكسي وعلاقاتهم بسائقيه. لن يتقبل كل الركاب الاستماع إلى حادث مأساوي أثناء مشوارهم لوجهتهم، سيأمر أحدهم سائق التاكسي أن يدير مؤشر المحطة وآخر سيطلب أن يغلق الراديو نفسه، وثالث سيصدر تعاطفا باديا وأسى واضح لتكون بداية لفتح حوارات المشاوير.

سائقو التاكسي تختلف شخصياتهم فمنهم خفيف الظل الذي ينجح في إرجاع أحد المنتحرين عن قرار انتحاره من على الكوبري بعد محادثة معه، نعلم من خلالها أن الضحية المحتملة هو رجل أربعيني حاصل على ماجستير فلسفة ويعمل مدرسا للمرحلة الثانوية، لكن النشء لا يهتم بالأسئلة الكبرى، والفلسفة ذاتها لا تقدم تفسيرا لماذا يعمل أستاذ فلسفة حاصل على دُكتوراه من السوربون في مدرسة ثانوية وبمرتب 600 ليف لا تكف أسرته؟

 

  • لماذا تريد الانتحار؟
  • لا شأن لك بي..
  • لقد أصبح شأني ما دمت طلبت التاكسي.

 

هكذا يبدأ الحوار بين السائق و أستاذ الفلسفة لينتهي بإثنائه عن قرار الانتحار الذي لن يغير شيئا ولن يُـطعم أطفاله وزوجته بعد رحيله. ويحاول سحبه من على سور الكوبري الذي شهد خمس محاولات انتحار هذا العام كما يخبر السائق أستاذ الفلسفة. ليس هذا ما يخبره فقط بل نعرف أنه زميل مهنة، حيث يعمل السائق هو الآخر مدرسا للتربية الرياضية في مدرسة مجاورة صباحا، ويعمل بالتاكسي بالشيفت الليلي.

تتابع الكاميرا شوارع العاصمة “صوفيا” ليلا وترصد بلد تطرد مواهبها ونابغيها مثلما نجد جرَّاح القلب الذي يحاول السفر لألمانيا وتقّـله سائقة تاكسي للمستشفى لإجراء آخـر عملية له في بلغاريا قبل سفره متمنية له خروجا آمنا.

 

  • لربما تحتاج بلغاريا يا دكتور إلى قلب جديد!
  • قد يفيد قلب جديد جسدا حيا، ولكنه لا يُجدي مع جثة.

 

وهي نفس السائقة التي ستقل أحدهم من المطار لنكتشف أنه من انتهكها منذ عشرين عاما حين كانت تدرس التاريخ وأنه نجا بفعلته لنفوذ أسرته، وهي تتذكره فور أن طلب منها بكل تعالٍ إغلاق الراديو الذي يعكس أوضاع مجتمع من الكسالى المتخلفين باعتباره يعيش الآن في فيينا ويعود لبلغاريا لإنجاز مهمة سريعة. تقارن بين حاليهما الآن بعد أن دمَّـر حياتها وتتركه بعد تهديده بمسدسها وإجباره على النزول وتتركه وحيدا في شوراع صوفيا.

ستجد السائق المتبرِّم الذي يدخن فور ركوب العميل الذي يطلب منه إطفاء سيجارته فورا، والذي يستغل انشغال الراكب بمكالمة هاتفية فيتلاعب بالعداد ليسجل قيمة أكبر لمشواره, ويعرض بإلحاح على راكبه المتأنِّق شراء زوج من الأحذية يجلبه له أصدقائه نباشي القبور حيث يسرقون جثث الموتى، فلا حاجة للجثث للتأنق أو للأحذية، وحين يختلفان على الأجرة يتشاجران فينتهي الحال بإصابة السائق في رأسه ليتبادل الإثنان الأدوار.. المحامي المتأنق الذي يمثل البرجوازية البلغارية الصاعدة يضطرب ويدخن السيجارة وهو يُـقل السائق الجريح بعد أن أدماه بحجر في رأسه ويتوسل إليه أن يظل حيا ريثما يوصله إلى المستشفى لإسعافه.

يحاول الفيلم كسر نمط الإسكتشات الذي من السهل التعرُّف عليه عبر خلق رابط موضوعي يقود السرد من خلال أثير الراديو الذي يتابع مكالمات المستمعين ولكن هذه المرة في سيارة سائق عجوز يقِّـل رجلا وامرأة، ولا يتحملان هذه الدراما الإذاعية القاتمة فيطلبان منه أن يدير المؤشر إلى محطة أخرى أكثر بهجة.

 

  • لماذا لا تدير المؤشر لمحطة تذيع الأغاني؟
  • فقدتُ ابني مؤخرا.
  • ولكن الحياة تمضي.
  • صحيح.. (ينظر السائق العجوز لهما في المرآة ويدير مؤشر الراديو)

 

ويطلب الراكب أن يغلق الراديو ريثما يتلقى مكالمة زوجته وهو في طريقه لخيانتها مدعيا أنه في اجتماع لكن فرملة السيارة فجأة تُـفزع المرأة التي معه وتسمع صياحها الزوجة لتكتشف خيانة زوجها عبر الهاتف.

ويجيء الركاب التاليين مجموعة مراهقين يزجرون السائق العجوز حين ينصحهم بالخرص على صحتهم لأنه بمثل عمر ابنه ويجبرونه على السير عكس الاتجاه للوصول للناد الليلي الذي سيقضون فيه سهرتهم. ليمضي العجوز بعدها ليلته على الرصيف وتحت عمود إنارة مع كلب ضال يطعمه بدلا من ابنه.

صليب صغير يتوسط تابلوه السيارة التي ستقل مريض قلب تم استدعاؤه لإجراء عملية زرع قلب. والذي يتفاجئ من وصول قسٍ بدلا من سائق تاكسي. كالعادة تكون مهنة القيادة مهنة ثانية يحاول بها البلغاريون التحايل على صعوبة المعيشة، ويدور حوارا بين الراكب وبين القس الذي يواسيه بأن الله يعطي كل انسان بما في قلبه. ليستفسر الراكب عن أي قلب سيحاسبه الله؟ قلبه المهترئ أم قلب الرجل الآخر الذي سيزرعونه في صدره؟ و ليتسائل عن الرب الذي يعتقد أنه نسي هذه البلاد منذ زمن.. وأنها ربما تكون مثله في حاجة لقلب جديد.

يتركه حيث المستشفى وليظهر نهار جديد على بلغاريا ولتمر سيارة تاكسي بجوار مدرسة وترقب فتاة يافعة، تماما مثلما بدأ الفيلم بسائق مهاجر يدبر احتياجاته بالكاد ويُقِّـل إحدى الفتيات المراهقات من أمام مدرسة، وحين يجدها تبدِّل ملابسها وتضع مكياجا في سيارته تخبره أنه تعمل عاهرة ويفهم أنها تتجه لوجهتها لممارسة عملها. ينصحها فتسخر منه، وحين يحتدم الحوار بينهما يُرجعها للمدرسة عُنوة قبل أن يقابل صاحب شركة التاكسي الذي يقرر تسريحه فيرديه قتيلا لتحتل هذه الجريمة أثير الإذاعة عبر مكالمات المستمعين.

 

  • حصل الفيلم على تنويه خاص من مهرجان سراييفو الدولي 2017، وعُـرِض بمهرجان كان السينمائي 2018، وكذلك مهرجان تورونتو السينمائي 2017.
  • يُـعرض الفيلم بسينما الزمالك السبت 17 نوفمبر حفلة 10 مساءا.
  • التريلر:

 

الوسوم
إغلاق
إغلاق