فنون

بين الممرات.. في الوصل والفصل

موسم التنزيلات قد أوشك. وعروض الهايبر تم بدء الإعلان عنها.. “اشتر واحدة واحصل على الثانية مجانا”.. ستكون أرقام الخصم حمراء وصفراء وستكتب بفونط كبير يسرق نقودك قبل عينك.

في عالم يُسلِّـع كل شيء ويجعله قابلا للمقايضة. وبين رفوف المنتجات والسلع بالمتجر الكبير تنبت قصة حب على استحياء بين  كريستيان الشاب الجديد في الهايبر وبين ماريون “فتاة الحلويات” كما توضح الإشارة على صدرها في أي قسم تعمل. كريستيان.. الفتى المنطوي والذي يحاول إخفاء نفسه كما يحاول إخفاء وشوم جسده بالمبالغة في ستره حتى لا تظهر آثار حياته السابقة على مظهره. سيشد ياقة قميصه وأساوره بشدة حتى ليبدو طالبا أكثر منه بائعا في المتجر الكبير. في الواقع لم يكن ليتعامل مع الزبائن، لكنه كان يعمل في نقل السلع والبضائع.

تقع عينه عليها للوهلة الأولى بين الرفوف، منتج جميل هي الأخرى ولكنها لا تدري. ماريون الفتاة الودودة ومحبوبة المتجر تبادر الفتى الجديد بالتحية وتطلب منه أن يدعوها على كوب من القهوة من ماكينة المشروبات الموجودة بكافيتريا العاملين بالمتجر، وحين يحييها ويسلم عليها يسمع صوت أمواج المحيط، وستصير كافيتريا الهايبر مكانه الأثير رغم تداعي المكان وأناقته المبتذلة بورق حائط على الجدار يحمل لوحة الشاطئ والنخيل.

In the Aisles
In the Aisles

يفتتح  المخرج توماس شتوبر فيلمه بمقطوعات سيمفونية تستعرض المتجر الكبير وهو فارغ من الزبائن، فقط عمال الوردية الليلية يجوبون ممراته جيئة وذهابا كنملات صغيرات في مملكة تحت الأرض. المقطوعات الموسيقية غير مقحمة على نسيج الفيلم؛ بل تأتي من الإذاعة الداخلية للهايبر. ليخلق الفيلم شاعريته منذ لحظاته الأولى.

الفتى الخجول سيكتشف المكان على مهل في هذا الشيفت الليلي قبل أن يذهب لمنزله المتواضع يلوك طعامه في صمت. لكن تحديه الأكبر في المكان الضخم سيكون محاولته لتعلم قيادة الرافعة الشوكية التي تحمل صناديق البضائع من مكان لآخـر. قد يبدو الأمر بسيطا، لكنه سيكلفه الكثير وهو يتعلمه، كما أنه يتطلب الكثير من التركيز والمهارة وحُسن تقدير الأمور والتريث والتروي تماما كمتطلبات العيش في حياتنا، وهو ما يخبره به زميله العجوز برونو الذي سيكون أبا روحيا له في هذا المتجر الكبير.

عالم البيع يفرض قانونه الصارم على العاملين فيه، التالف من المنتجات يذهب لصناديق القمامة ولا يُـسمح للعاملين الاستفادة منها أو أخذها وإلا تُـعد سرقة، وسيقومون برميها وهم يشتهونها لمجرد خدش بسيط أصاب العبوة. لكن كريستيان سيسرق قالب حلوى صغير وسيقيم بها حفلة لماريون بمناسبة عيد ميلادها في لفتة لطيفة منه لإبداء اهتمامه بها والإعلان عن حبه الصامت.

سيعاود الذهاب إلى صناديق القمامة تلك ويحاول مع زميله المتبرِّم دوما أن يختلسا أي شيء منها، وفي غياب الرقابة سيلتهمان بجنون ما تطوله أيديهما من هذه السلع المحرَّمة عليهم كخنزيرين صغيرين وجدا ضالتهما في صندوق المخلفات.

In the Aisles
In the Aisles

عبر ثلاثة فصول بأسماء أبطاله (كريستيان، وماريون، وبرونو) يأخذنا الفيلم لمعرفة ماذا حدث لكل منهم.

يحاول كريستيان في الفصل الأول أن يستعيد السيطرة على حياته، تماما كمحاولته إحكام قبضته على مقود الرافعة، يحاول بدعم برونو وتوجيهه أن يقود الآلة ويفشل ويكرر المحاولة حتى ينجح.

كريستيان الذي يحاول نسيان ماضيه حين رافق لفترة من الزمن مجموعة من الأشقياء يستغربون عمله بالمتجر حين يتبضعون منه، ويستنكرون وضعه الجديد ويلقبونه هازئين بـ “كريستيان المحترم”. عمل في مجال البناء ذات يوم وتركه بعد أن وصفه رب عمله بأنه خنزير صغير لمجرد انه رفض أن يقتل صغار الخنازير التي وجدها في مكان البناء.

“أنا لست خنزيرا صغيرا” يعترف كريستيان لماريون في عشية رأس السنة حين تأتي للاحتفال مع زملائها بعد إجازة طويلة أخذتها لتبتعد عن كريستيان كما يليق بامرأة متزوجة.

الفصل الثاني بعنوان ماريون..

الفتاة اللطيفة التي يحتفظ كريستيان بتوكة شعرها التي نسيتها على الرافعة الشوكية، تنسحب من أمام كريستيان وهي ترى اهتمامه المتزايد بها، فتأخذ أجازة طويلة من المتجر، وحين تخبره زميلتهما أن ماريون امرأة متزوجة يُـحبط ويحزن فيعاود التواصل مع أصدقائه القدامى في محاولة لسد فجوة الروح تلك ونسيانها.. يخبره برونو أن زوجها يضربها، وأن المعرفة مؤلمة أحيانا وأنه من الأفضل ألا يسأل عما قد يزعجه. وحين يفتقدها كريستيان يذهب لبيتها، وحين لا تفتح يدخله ليكتشف منزلها وحياتها.. هي الأخرى تحاول أن تجد لحياتها معنى، فعلى مكتبها لعبة بازل بقطع بالغة الصغر يحاول أن يكملها هو الآخر فلا يعرف. يترك زهوره التي جلبها معه ويخرج من المنزل الذي يتاخم الطريق السريع.

In the Aisles
In the Aisles

برونو.. الفصل الأخير..

بسمتٍ أبوي وروح داعمة يستقبل هذا العجوز الفتى الجديد، يعلمه ويوجه، يحتوي تخوّفه من قيادة الرافعة ويصبر على عدم تمكنه لفترة طويلة. يدخنان معا في أوقات الراحة وتزداد ثقته في الفتى الجديد فيخبره أن منزله هناك على الجانب الآخر من الطريق السريع، وحين يدعوه لمنزله ليلا يطلب منه ألا يحدث جلبة حتى لا يوقظ زوجته، يعترف له بأنه يشتاق لعمله السابق.. سائق ترلات على الطرق السريعة، لا سائق رافعة شوكية بهايبر. ويودعه لكنه لا يأتي في اليوم التالي، ويخبرون كريستيان أن برونو قد انتحر، وحين يذهب إلى بيت برونو نهارا يكتشف أنها شقة أعزب، فلا زوجة أو أبناء كما أخبره برونو.. فقط هي حياته البديلة التي كان يتمناها.

بعد فترة الحداد تعود ماريون للعمل بالمتجرـ تخبره أن برونو كان قد أسرّ لها بسر عن الرافعة الشوكية، يمكنك سماع أصوات أمواج المحيط إذا رفعت الرافعة لأقصى حد وأنزلتها ببطء. يجرب كريستيان هذا الأمر ويرهف السمع وهو ينزل الشوكة ببطء بالغ فيصدر عنها الصوت المنشود.

أمواج تلي أمواج..

ممرات المتجر وطرقات المدينة..

الرافعة الشوكية التي تغترفنا..

الحياة التي نحاول قيادتها لكنها تدهسنا..

أحلامنا المتوهمة كما زوجة برونو..

آمالنا التي على الضفة الأخرى كما بيت ماريون..

محاولاتنا للتواصل وجدواها..

وصوت المحيط الذي نسمعه مع من نحب حتى لو في مكان صاخب كالهايبر.

 

* حصد الفيلم جائزة أفضل ممثل رئيسي بمسابقة جوائز الفيلم الألماني 2018

* وحصل على جائزة رابطة السينما الألمانية، وجائزة اللجنة المسكونية بمهرجان برلين السينمائي الدولي 2018

* يُعرض في بانوراما الفيلم الأوروبي بمعهد جوته 16 نوفمبر 2018  5 مساءا.

* تريلر الفيلم:

الوسوم
إغلاق
إغلاق