فنون

ثيلما.. ما وراء القُـدرة

حصل الفيلم على جائزة نقاد السينما النرويجيين بمهرجان النرويج السينمائي الدولي 2017، كما عُـرض بالبرنامج الرسمي بمهرجان تورنتو السينمائي الدولي 2017.

في مجتمع يبدو لنا ماديا باردا لم تزل أسئلةَ تدور في عقول شبابه من قبيل هل ولَّـى زمن المعجزات؟ وهل من قوة لا مرئية يمكنها أن تؤثر على البشر وجودا وعدما وتحديدا لمصائرهم؟

أسئلة كهاته يخلِّفها فيلم “ثلما” المعروض ضمن بانوراما الفيلم الأوروبي، والتي تجيء صراحة على لسان أبطاله حين يتنادمون في حانة. حيث الاعتراف بالعجز حيال الأمور الخارقة التي قد تحدث، والسخرية ضمنا من العلم الذي يبدو أنه غير قادر على تفسير كل شيء أحيانا.

كادر متناهي الاتساع يحوي طلاب علمٍ يبدون كنمل صغير يسعون في فناء الجامعة التي انضمت إليها للتو بطلتنا والتي لا تزال أصغر من أن تكتشف سر نوبات الصرع التي تنتابها رغم أنها تدرس علم الأحياء.

يبدأ الفيلم بداية غامضة تتكشف ألغازها بنهايته، ثلمـا.. تلك الفتاة البريئة  ذات السنوات الست والتي يصطحبها والدها للصيد فيمران على بحيرة متجمدة ترى أسفل قدميها السمك الحي تحت الثلج الشفاف، وحين تنظر لأبيها يرمقها بغضب مكتوم ويولي وجهه صوب الغابة التي يسعى لصيد غزالة شريدة بها، يصوب بندقيته نحو الغزال، ثم يوليها صوب ابنته ولا يطلق رصاصته، بل يترك الغزال يفلت منه في ظل دهشة الابنة الصغيرة التي لا تعرف سببا لعدم تصويب أبيها رغم أن فريسته الغزالة كانت في مرماه.

بعد عشر سنوات نقابل ثلما وقد أصبحت فتاة شابة تدرس بالجامعة وتتوطد صداقتها مع  “انجا” التي تدرس الكيمياء بدورها، تنتاب ثلما رؤى عن امرأة عجوز وأفعى تسعى نحوها، وينتهي الأمر باستقدام انجا لمنزلها دون دعوتها وكأنها مدفوعة نحوها. كل ذلك يتم في أجواء مشحونة بحسٍ من الرعب الخفي حيث الطبيعة قاتمة وأسراب الغربان تلوح في السماء لتنتهي بالاصطدام بنوافذ مكتبة الجامعة حيث تدرس ثلما.

تدخل ثلما عالم انجا وسيفتح الصليب الصغير المعلق في صدرها حوارا مع أصدقاء “انجا” الموجودين باعتبارها المؤمنة الوحيدة في هذا الجمع، هل تعتقد ثلما بوجود فكرة عُليا ناظمة لهذا الكون؟ وهل تتخذ هذه الفكرة أسماء عدة كيسوع أو بوذا أو الله؟ وستبدو أجوبة ثلما راسخة وإن لم تخل من تجاوب مع هذه الأسئلة.

الكوابيس والضلالات التي تنتاب ثلما ربما تُـعزى لكونها فتاة وحيدة ومغتربة عن أهلها، هكذا نعتقد ونحن نرى محاولاتها مع الأطباء لفهم طبيعة النوبات التي تنتابها وكذلك حرص أهلها الشديد على التواصل معها، متابعين ابنتهم وهي تكتشف العالم، مرة بالتعرف على أصدقاء جُدد ومرة أخرى بتناول الكحول, الأب الذي يبدو صديقا ومتفهما لتغيرات ابنته يحاول طمأنتها، والأم القعيدة تبدو أكثر قلقا حيال ابنتها.

تقترب انجا أكثر وأكثر نحو ثلما وتكتشف معها أسرار جسدها، ورغم محاولاتها للتملص منها تلاحقها انجا بالاتصال، وتحاول ثلما التخلص من مشاعرها نحو صديقتها لكن الصلاة وحدها لا تُجدي. وبعد أن تتعرض للإذلال من قِبل أحد أصدقائها تنعزل ثلما وتحاول معرفة سبب نوبات الصرع لتكتشف وجود جدة لها تعاني من حالتها المرضية تلك وانتهى بها الأمر نزيلةُ في مشفى .

في غمرة فحوصاتها تنتاب ثلما نوبة غضب تتمنى خلالها لو تختفي انجا من حياتها وتخايلها رؤية بسقوط انجا من نافذتها، الأمر الذي يبدو أنه تحقق بإختفاء انجا الفعلي وبحث ذويها عنها وتأكد ثلما من تحقق رؤيتها حين ترى خصلات شعر انجا في النافذة الزجاجية حيث وقعت، وحين تعترف ثلما لأبيها بإحساسها بأنها سبب اختفاء صديقتها يتدخل الأب لإرجاعها منزل الأسرة وهناك نبدأ في اكتشاف التاريخ الغرائبي لثلما الطفلة التي تُـحقق أي شيء تتمناه حتى لو كان مفارقا أو عجائبيا أو متجاوز لحدود البشر وحتى لو تسببت في مقتل أخيها الرضيع بغمره في البحيرة المتجمدة التي مرت عليها هي وأبيها آنفا، ويخضعها أبوها الطبيب إلى جرعات مخدرة كي تظل فاقدة للسيطرة وفي لحظات الإفاقة تمارس الصلاة والدعاء، لكنها تدرك أن نية والديها للتخلص منها مادامت قد كررت إقصاء من لا ترغبهم في حياتها.  وبخاصة حين يواجهها أبيها بأنها هي من دفعت صديقتها للإعجاب بها، ويذكّرها أنها إذا ما أرادت شيئا فإنها تحققه، تماما مثلما تمنًّت التخلص من أخيها الصغير فاختفى من المنزل ووجدوه غارقا متجمدا في البحيرة.

وكما تخلصت من أخيها في الماء تتخلص من والدها حين يذهب لتصفية ذهنه في البحيرة فيسقط في الماء وكلما حاول النجاة والخروج إلى السطح يشتعل جسده فيعود ثانية للقاع في دورة سيزيفية حتى مماته.

لكن ثلما الفتاة القادرة على الإقصاء تستطيع إرجاع المنفي، فتعود انجا لها كأن شيء لم يكن وتظهر بعد غياب في فناء الجامعة وتمضيان قدما كنملتين صغيرتين في فناء الجامعة.

* حصل الفيلم على جائزة نقاد السينما النرويجيين بمهرجان النرويج السينمائي الدولي 2017، كما عُـرض البرنامج الرسمي بمهرجان تورنتو السينمائي الدولي 2017.

تريللر الفيلم باللغة الإنجليزية:

الوسوم
إغلاق
إغلاق