فنون

آجــا.. سِــفـر التأويل

مساحات بيضاء.. الكثير منها.. الكثير.. ووحده الإنسان نقطة متناهية الصغر تكاد تتبينها بنفس صعوبة السائر وسط الثلج.. إنه “نانونك” رجل الشمال وصائد غزال الرنة التي يحلم بصيدها بعد أن عزَّت في شمال الكرة الأرضية، حيث يقيم هو وزوجته “سِـدنا” كعجوزين تتكئ روح كل منهما على الأخرى، وبخاصة برحيل ابنتهما “آجــا”.

الأمر يتعدى صراعهما من أجل البقاء وسط ظروف مناخية إستثنائية حين يواجهان عواصف ثلجية أو ينصبان الأفخاخ لصيد الحيوانات ليقتاتا عليها. الأمر يتعدى ذلك، ويصل للحدود الدنيا من كل شيء، كسمكة واحدة تطبخها “سدنا” فيقتسماها ليقيما أودهما، لكن ما يقيم عمود خيمتهما الجلدية هو ذلك الحب الكبير والهامس بينهما.

  • غني لي أغنية

تهمهم “سِـدنا” ويهمهم معها “نانوك”.

ليست غزالة الرنة فقط هي ما يفتقده “نانوك”؛ بل تتساقط ذاكرته هي الأخرى حتى في أبسط الأشياء كأيام الأسبوع التي تسعفه “سدنا” بتذكيره بما أسقطه منها. لكن كيف له أن يبقي الأيام في ذاكرته وهي متشابهة وعلى نفس لونها الأبيض.؟! والشمس الواهنة شمال الأرض وأشعتها المضببة تشتت ذكريات “نانوك” هي الأخرى وكأن ذاكرته وحدها ليست كفيلة بالمحو.

لكن وعلى كل جهودها لإسعاف ذاكرة زوجها تتحاشى “سدنا” الحديث معه عن ابنتهما “آجــا” ولا تتجاسر على الحديث عنها إلا مع “شينا” الآتي على دراجة ثلج بخارية، الشاب الغض والذي عرفهما وعرف “آجــا” ذات يوم، يخبرها أنها باتت تعمل في منجم الألماس قرب المدينة. الفتى الشاب هو تجسيد للحداثة في هذه البقعة المنسية من العالم، بدراجته البخارية ومذياعه الصغير الذي يجلب البرنامج الموسيقي بعد جهد. وحدها الموسيقى تؤنس الروح في هذه البقعة شديدة التنائي عن العالم.. وحدها صلة بينهما وبين العالم الكبير الذي سعت إليه ابنتهما، ويبدو أنها معذورة ما لم تكن محقِّـة حين تركتهما وفلتت من سجن البياض.

 

  • هل هي مع أحد الآن؟ تسأل أمها “شينا” الذي يطرق رأسه قبل أن يجيبها:
  • لا أعلم.

 

حين يبيت ليلته مع نانوك وسدنا يطلب من نانوك أن يقص عليه إحدى قصصه الخرافية التي كان يحكيها له ولآجــا وهما صغيرين، تنساب حكاية نانوك عن صياد رنة وحيوانات برية وعفاريت على أنغام المذياع فتدمع عيني الشاب حنينا لزمن الطفولة الذي ولى وحبه لآجــا.

يزيد جرح نراه في بطن “سدنا” الأم وهي تحاول أن تداويه بالأعشاب. كيف لإمرأة مسنة مثلها أن تقاوم قسوة الطبيعة وجرح روحها؟

كعادتها تحاول الصمود، تساعد زوجها في نصب فخٍ لثعلب شمالي كي تصنع من جلده قبعة فراء لابنتهما. تشتاق لتلك الفتاة الصغيرة التي لم يبق منها سوى صورة فوتوغرافية تجمع ثلاثتهم حين كانوا أسرة واحدة. تخرجها من صندوق خشبي صغير وتعرضها على “شينا” الذي يتركهما على وعد بلقاء قريب، فيستقل دراجته النارية مخلِّـفة ورائه بقعة زيت على الثلج، أشبه ببقع الدم التي يخلفها صيد أرنب برّي على الثلج، لعله (على شبابه) هو أيضا يهرب من ذكرياته.

 

  • الساق تحتاج للساق، كما العائلة. يقول نانوك الذي سيحاول أن يجلب البرنامج الموسيقي من مذياع “شينا” الذي نسيه في خيمته حين تحاول “سدنا” أن تقص عليه حلمها على أنغام البرنامج الموسيقي.
  • رأيت في الحلم طفلا رضيعا، أحمله فيصير دبا قطبيا كبيرا، أركبه فيأخذني بعيدا ويطلب مني أن أذهب معه إلى بيته. أرفض, لكنه يصير شابا يافعا ويطلب مني أن أذهب معه إلى بيته. والذي اتضح أنه حفرة كبيرة. أخذنا في النزول أعمق فأعمق فأعمق. لكن كل النجوم سقطت فيها ولم يبق في السماء نجمة واحدة فنسيت العالم.” تقول “سِـدنا”.

 

إثر ليلة مؤلمة ترحل عن الدنيا متأثرة بجرحها الذي لم يكن ليندمل. ويذهب “نانوك في رحلة طويلة سعيا وراء ابنته آجــا. ويأخذ معه قبعة الفراء التي صنعتها أمها.

يستضيفه في شاحنته سائق يقل الأخشاب إلى المدينة، ولا يكف عن الثرثرة ولا يُطفئ مذياع سيارته. يتصارحان كل منهما يحكي للآخر عن زوجته الراحلة.

يحكي “نانوك” عن حلم “سِـدنا” ويحكي السائق عن زوجته الكندية التي أرادت أن تتعلم لغة قبائل الشمال فمكثت معه لحين ثم هجرته.

 

  • أظنني كنت معلما جيدا. (يغمز السائق بعينه لـ”نانوك”) لكنني أتساءل إن كانت تتذكرني بين الحين والآخر؟!

 

في أثناء القيادة ليلا يستيقظ “نانوك” على صوت كبير، لقد صدم السائق غزال رنة ضخم كالذي كان يريد “نانوك” صيده تماما. ما أقسى الأماني حين تتحقق في غير مواقيتها. يقطره السائق بالرافعة ويضعه على الأخشاب لتأتي شمس اليوم التالي و”نانوك” في كابينة السيارة وحلمه خلفه بمترٍ فقط. على مقربة من ربوة كبيرة يخبر السائق “نانوك” بأنه سيجد منجم الألماس الذي تعمل به ابنته بعد أن يصعد هذا الجبل.

يفعلها “نانوك” الذي تدرب طويلا على الصمود. يصعد الجبل الرمادي ويصل للمنجم وتراه ابنته عن بعد. تراه وحيدا وتتبينه رغم تماهي لون ملابس مع أطلال الردم، فتوقع خوذتها ودمعتين تنفلتا منهما وهمهمة ونشيج هامس كأغنية أمها الراحلة.

تتركنا الكاميرا التي ترتفع لنرى منجم الألماس كحفرة كبيرة متناهية الاتساع وبالغة العمق تماما كمنزل الشاب الذي وصفته “سدنا” في حلمها لـ”نانوك”.

 

لا يكتسب هذا الفيلم فرادته  فقط من حسه التسجيلي حين يستعرض حياة بشر الأسكيمو وصراعهم للبقاء، ولا من استغلاله الأمثل للموسيقى التي يوظفها بحساسية وذكاء شديدين ، وليس بالإخفاء في سرده الذي يتعمده فيخبرنا الكثير بالحجب والصمت، وليس بالأداء الرفيع لكل أبطاله وبخاصة آجــا في مشهد وحيد لها لا تنطق فيه بكلمة، وليس في التحية الدفينة التي يقدمها هذا الفيلم للفن السابع حين يقتفي أثر المخرج روبرت فلاهرتي أبو السينما التسجيلية فيعيد تقديم فيلمه “نانوك.. رجل الشمال” والذي أنجزه فلاهرتي عام 1922. ولكن برؤية شاعرية وفي قالب روائي. لكن براعته الأبرز في تحيته للسينما كحلم يتحقق مثلما تتحقق رؤية “سدنا” واستشرافها.

 

  • عُـرض الفيلم ضمن أسبوع النقاد بمهرجان القاهرة السينمائي الدولي في دورته الأربعين.
  • بطولة : فيودوسيا إيفانوفا، وميخائيل إبروسيموف، ومن تأليف ميلكو لازاروف، و سيمون فنتسيسلافوف، واخراج ميلكو لازاروف

 

تريللر الفيلم:

الوسوم
إغلاق
إغلاق