إعلان
مقالات

محمد خير يكتب: صالون الأرصفة.. القاهرة تجلس على كرسي قديم

تحفل القاهرة بآلاف -إن لم يكن أكثر- الأشياء الرمزية، الموزعة في فضاء المدينة العام.. في الشوارع والميادين، وعلى الأرصفة، والحوائط، وحتى الأسقف والمطلات.. هذه الأشياء، تنظر من يلتقطها ويجمع منها تاريخ للمدينة المعقدة المتراكمة. كتاب “صالون الرصيف ..ألف كرسي وكرسي في القاهرة” فعل ذلك، وصاغ من “الكراسي” الملقاة في تلافيف القاهرة خريطة موازية ومختلفة للعاصمة المصرية..

“بدأ حواره معي بالبكاء. كان يجلس أمامي بجسده الضخم، ينتفض من العويل والنحيب، وكنت على الرغم من المائة وثمانين سنتيمترا التي أعتبر نفسي من أجلها طويلا، أبدو أمامه طفلا متضائلا على ذلك الكرسيّ القصير المتقزّم. كانت كل كراسي المقهى قصيرة هكذا، أكثر من اللازم. هي كراسي من الخيزران، على الطراز الأوسط لكراسي المقاهي، بين جيل كراسي القش وجيل الكراسي البلاستيكية الأحدث، ومن الواضح أنهم نشروا قوائمها حتى تتساوى، عندما تأخذ الكراسي في العرج مع الزمن، فغادرت مقاييسها الطبيعية وصارت تناسب أقزاما بسيقان قصيرة للغاية”.

على هذا المنوال، البادي في نص ياسر عبد اللطيف “مقهى تحطيم الأرواح”، يمضي كتاب “صالون الرصيف ..ألف كرسي وكرسي في القاهرة”، في النص الذي يحكي فيه عبد اللطيف عن الرجل الضخم الجالس فوق الكرسي القزم، الباكي من جراء المرأة التي “تخونه لأنها تحبه بجنون”!، يتبدى التناقض في العبارة مساويا للتناقض بين الرجل والكرسيّ، لكن خيوطا أكثر وأطول تربط بين الكراسي والأرصفة والناس في الكتاب الذي حرره الدومينيكي ديفيد بويج والمصرية منار مرسي، اللذان جابا القاهرة متتبعين كراسيها عبر سنوات ثلاث وخمسين نزهة استغرق كل منها بين ساعة وخمس ساعات، في ظل أحداث سياسية عاصفة بين الأعوام 2011 و2013، لكن كان ما يشغل بويج ومنار هي”عائلات الكراسي” وحكاياتها.

عبر أكثر من مئتي صفحة من صور الكراسي ولا صور لغيرها، وعدد من النصوص الإبداعية وحوارات مع “ناس الأرصفة”، منشورة باللغتين العربية والإنجليزية، يلقي المحرران الضوء على كراسي ثلاث مناطق قاهرية “شبرا، مصر القديمة/المعادي، القاهرة الجديدة”، ملتقطين الثيمات التي تجمع أنواع الكراسي على أرصفة العاصمة، مثل الكرسي ذي الذراعين، والكنبة، أو أزواج الكراسي التوأم”، في حين تركز ثيمات أخرى على “دورة حياة الكراسي، وتوضح الأطوار المختلفة لاحتضارها-بداية من البتر وحتى الانهيار التام- أو معجزة شفائها”

في لقاء مع الفاكهاني عاشور –المعادي، يشرح أحد عمليات انقاذ كرسي بلاستيكي عمره أكثر من 8 سنوات:

  • احنا لما لقيناه انكسر قلنا علشان نلم الضهر بتاعه، عملناه بنفس الوضع اللي حضرتك شايفاه، وجبنا الحبل ده علشان لو حد اتكأ بضهره لورا يبقى ماسك، هو كده كده مكسور ولما تربطيه هيمسك نفسه شوية غير لما تسيبيه مش رابطاه.
  • طب حضرتك هترمي الكرسي ده إمتى؟ (تسأله منار)
  • هو حاليا قدم بس علشان أنا ضيوفي كتير وبدل ما يقعدوا على الأرض، يعني قعدة الكرسي أحسن من قعدة الأرض.
  • طب والكرسي اللي أنا قاعدة عليه؟ (كرسي خشبي عمره 20 عاما)
  • ده لأ، ده صعب شوية أصل ده من ريحة أبويا الله يرحمه، ممكن مسمارين وشاكوش حتى لو فك منك تمسمريه ويرجع تاني لطبيعته.
[us_image_slider ids=”17257,17258,17259,17260,17261,17262,17263,17264,17265″ arrows=”hover” nav=”dots” autoplay=”1″ fullscreen=”1″ autoplay_period=”3000″ img_fit=”contain”]

في الكتاب الصادر عن دار أونوماتوبي الهولندية والكتب خان المصرية، لا يبخل المحرران بإرفاق خرائط رحلاتهما القاهرية بصورة منفصلة يمكن تصفحها وحدها، خرائط يمكن عبرها تتبع الكراسي كما تتبعها المحرران مخالفين ما قال الشاعر الأمريكي ثيودور رويثكي “الطريف في الكرسي أنك نادرا ما تفكر أنه هناك”، ومع ذلك –يقول الكتاب-و”فجأة ونحن نمشي، كانت كراسي الشارع “هناك”، ليس كرسيا واحدا أو اثنين، وإنما عدد لا ينتهي من الكراسي، تشكل معا خيطا غير مرئي بطول الرصيف”.

في السيدة زينب، يستطيع “سيد طلعت” أن يصف كل ما حول كرسيه وهو مغمض العينين “على شمالك فيه بلوك وقدامك جبل وجنب منه بينت والورشة والعربيات والشجر”.

وربما لأنه يعمل سمكري سيارات، يستطيع سيد أن يقيم ما يشبه عملية جراحية كاملة لإنقاذ مجموعة كراسيه التي حصل عليها من “واحد صاحبه” بعدما تكسرت “الخشبة دي ضعيفة وأنا عاملها بخشبة ورابطها بمسامير علشان دي تتعدل، الخشبة دي والخشبة اللي الناحية التانية، وهناك فيه رجل ناقصة عملت لها زاوية حديد وربطتها بمسامير، والرجل دي بتتّني فدقتها علشان ما تلفش وتتعوج، ده مالوش رجلوحاطه على الطوبة كأنه كرسي”.

في نصّ “مقعد يفضّل صداقة العجائز” يكتب الطاهر شرقاوي عن مقعد موقف الأتوبيسات –الذي لم يعد موجودا – في باب اللوق، الموقف والجراح الكبير يتذكر العجائز أنه كان موجودا والآن ليس سوى المقعد الذي “يتحول في الليل سرير لمشرد أو طفل شارع أو غريب احتجزته المدينة”، أما الكرسي في قصة محمد الفخراني فله اسم “مزيكا”، إنه “ليس كرسيا بالمعنى المفهوم، وإنما مربع من الإسفنج فوق قفص صغير”، وهو يروي قصته بنفسه.

ثمة نصوص أخرى في “صالون الرصيف” منها قصيدتان لملكة بدر وماجد زاهر، فضلا عن النص السوسيولوجي المشترك “اتحاد الكراسي” لمحرري الكتاب منار وبويج، وترجم النصوص من الإنجليزية إلى العربية آدم طالب وإليزابيث جاكيت وروبن موجر، ومن الإنجليزية إلى العربية إيهاب عبد الحميد.

الوسوم
إغلاق
إغلاق